
الكاتبة لينا صياغة
بعدما أطفأت الحياة عينَ رفعت، بدا وكأنها أطفأت معها شيئًا عميقًا في روحه. لم يستوعب ما حدث له، ولم يستطع أن يتصالح مع فكرة أن ما أصابه كان قدرًا لا يد لأحد فيه. كان يتظاهر بالقوة، لكن الكبرياء كثيرًا ما يكون القناع الذي يخبئ أشدّ الانكسارات.
ثم جاءت الضربة الثانية، أشد وقعًا من الأولى.
وقبل أسبوع واحد من عودته إلى لبنان، التقى بأحد معارفه الذي دعاه إلى زيارته. كان الرجل معروفًا بإدمان الميسر، وقد علم أن رفعت ادّخر مبلغًا كبيرًا من المال بعد سنوات الغربة، فرأى فيه صيدًا ثمينًا.
أما رفعت، بطبيعته الطيبة وقلة خبرته، فلم يخطر بباله أن الابتسامات قد تخفي خلفها أفخاخًا.
جرّه إلى لعبة قال إنها مجرد تجربة للحظ، ثم تكالب عليه من يعرفون كيف يصنعون الخسارة للآخرين. وفي ساعات قليلة، تبخرت سنوات من التعب والكد، ولم يبقَ له سوى سيارته الكاديلاك، وبضع مئات من الدولارات، وحسرة أثقل من الجبال.
عاد إلى لبنان برًا، مثقلًا بالصمت أكثر من الأمتعة.
دخل بيته، لكن الرجل الذي دخل لم يكن رفعت الذي عرفته نورا. كان وجهه يحمل ملامحه، أما روحه فقد بدت غريبة عنها. كانت تراقبه في صمت وتسأله برفق:
ـ ماذا بك يا رفعت؟
وكان يجيبها بنظرات شاردة أو بكلمات مقتضبة. ظنت أن فقدانه عينه هو ما ينهش قلبه، ولم تكن تعلم أن جرحًا آخر ينزف في الخفاء.
حتى أطفاله، الذين كانوا يركضون إليه بشوق، صار يستقبلهم بعصبية لم يعرفوها فيه.
كان يغضب من أصغر الأشياء، ثم يندم حين يبتعدون عنه خائفين. كان يشعر أنه خذلهم جميعًا، لكنه لم يعرف كيف يبوح بما يعتصر صدره.
ومع تعثر الأحوال، وعدم اكتمال بناء منزله، لم يجد رفعت بدًا من العودة إلى بلدته، ليقيم مع أهله حتى تنفرج الأزمة.
وهكذا، حملت نورا طفلَيها، وكانت تحمل في أحشائها طفلًا ثالثًا ينتظر أن يرى النور، لتبدأ رحلة جديدة لم تكن تعلم أنها ستكون الأصعب.عندما وصلوا إلى القرية، كانت السماء ملبدة بالغيوم، وكأن الطبيعة تشاركهم ثقل الأيام.
أمسك رفعت بيد نورا، وضغط عليها برفق، وقال بصوت خافت:
“لقد تبدّل حالنا يا نورا… لكننا سنحاول أن نتجاوز هذه الأزمة معًا. لن أدع اليأس يهزمنا.”
ابتسمت له ابتسامة امتزج فيها الأمل بالخوف، ثم رفعت رأسها نحو السماء. كانت الضبابات تبتلع ملامح التلال، حتى بدا المشهد وكأن غيمة كبيرة هبطت لتستقر فوق البلدة، تحجب الرؤية وتخفي ما ينتظرهم في الأيام القادمة.
شعرت نورا أن ذلك الضباب لم يكن في السماء وحدها، بل في مستقبلها أيضًا.
وبعد أسابيع، وضعت طفلتها.
خُصصت لها غرفة صغيرة مع أطفالها، لكنها لم تشعر يومًا أنها بيتها. لم تعرف فيها طعم الراحة، ولا السكينة، ولا ذلك الاستقلال الذي كانت تحلم به.
كانت تشعر بأنها تعيش تحت عيون لا تنام.
كل حركة محسوبة، وكل كلمة تُفسَّر، وكل صمت يُساء فهمه.
لم تكن ضيفة، لكنها لم تُعامل كابنةٍ للدار أيضًا.
كانت تحاول أن تقترب منهم، أن تكسب قلوبهم بابتسامتها وخدمتها واحترامها، لكنها كانت تصطدم في كل مرة بجدار غير مرئي، جدارٍ بُني من الأحكام المسبقة، ومن قسوةٍ لا تعرف سببها.
والأشد إيلامًا أن مصاب رفعت بفقدان عينه صار، في نظر بعضهم، شؤمًا التصق بها، وكأنها كانت السبب فيما كتبه الله عليه قبل أن يعرفها القدر.
كانت تسمع العبارات التي تُقال همسًا، لكنها تصل إلى قلبها واضحة كالسكاكين. وكانت ترى النظرات التي لا تحتاج إلى كلمات.
وفي كل مساء، حين ينام أطفالها، كانت تجلس قرب النافذة، تنظر إلى ظلام القرية، وتهمس لنفسها:
“أيمكن للإنسان أن يكون بين أهله… ويشعر بكل هذا الغياب؟”
وهناك… في ذلك البيت المزدحم بالوجوه، بدأت نورا تكتشف أن أقسى أنواع الوحدة ليست أن تكون وحيدًا، بل أن تكون محاطًا بالناس… ولا يجد قلبك مكانًا يستريح فيه.
يتبع