
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
لا تقترب مني لتسألني عن اسمي، فالناس هم الذين سمّوَني بحراً، فلم أعرف نفسي يوماً باسم، لأن الأسماء تُمنَح للأشياء التي لها حدود، وأنا لم أعرف حدّاً إلاّ الشاطئ، وحتى الشاطئ لا يلبث أن يتغيَّر. لا تنظر الى أمواجي، فهي ليست سوى أنفاسي.
أما أنا، فأسكن في الأعماق؛ هناك حيث لا يصل البصر، وحيث لا تجرؤ الضوضاء على النزول. في ذلك الصمت الطويل، تراكمت في داخلي أعمار الأرض، حتى أصبحت ذاكرتي أوسع من أن تحملها الكلمات. لقد مرَّت عليَّ الدهور كما تمرُّ الغيوم فوق رأسي. رأيت الجبال تولد، ثمّ تتفتت حبةً حبة حتى وصلت إليَّ أنهاراً من الرملِ.
ورأيت الشواطئ تتقدم نحوي حيناً، ثمّ تنسحب عني حيناً آخر، فعرفت أن الزمن لا يسير الى الأمام كما تظنون، بل يدور في حلقات لا تنتهي. وفي أعماقي ترقد أشياء لا يعرفها أحد. ليست سفناً غارقة فحسب، ولا مدناً ابتلعها الماء، بل أحلاماً لم تجد من يحققها، ووعوداً مات أصحابها قبل أن يوفوا بها، وصرخات لم يسمعها أحد، وأسئلة لم تجد عقلاً يحتملها.
لا تظن أنني جمعت هذه الأشياء بإرادتي. الإنسان هو الذي جاء بها إليَّ. كلما عَجِزَ عن حمل شيء في قلبه، ألقاه في صدري ومضى، وأنا بقيت أحمله عنه، لا لأنني أقوى منه، بل لأن الزمن علّمني أن لكلّ شيءٍ مكاناً يستقر فيه، حتى الأحزان. كم وَقَفَت على شواطئي وجوهٌ متشابهة، لكنها كانت تحمل أرواحاً مختلفة.
بعضهم جاء يبحث عن رزقه، وبعضهم جاء يهرب من نفسه، وبعضهم جاء يودِّع من أحب، وآخرون جاؤوا يسألوني عن معنى الحياة. كانوا جميعاً يرحلون، أما أنا فأبقى، ليس لأنني خالد، بل لأن دوري أن أشهد، لا أن أشارك. أَتَعْلَم أكثر ما أدهشني في الإنسان؟ أنه يبني كلّ شيء وكأنه سيبقى الى الأبد، ثمّ يتصرّف وكأن حياة الآخرين ملك إرادته.
يمنح نفسه حقَّ أن يرفع إنساناً ويُسقِط آخر، وأن يرسم حدود الأوطان بدماء الأبرياء، وأن يزرع الألم بين أبناء جلدته بدل أن يزرع الطمأنينة في قلوبهم. يُقيم حضارات، ثمّ لا يتردد في هدمها، ويؤسس أنظمة، ثمّ يدكها ليقيم فوق أنقاضها أنظمة أخرى، وكأنه الوارث الوحيد للأرض، أو كأنه خُلِقَ ليبقى بينما يفنى سواه. لقد رأيت جيوشاً تعبر شواطئي وهي تهتف بالنصر، ثمّ رأيتها تعود صامتة لا تحمل سوى بقايا أحلامها. ورأيت ملوكاً ظنوا أن أسماءهم ستُكتَب الى الأبد، فإذا بها لا تعيش إلاّ بقدر ما يعيشه أثر قدَمٍ على الرمل قبل أن تمحوه أول موجة.
عندها أدركت أن الإنسان لم يكن يهزم أخاه، بل كان يهزم نفسه في كلّ مرّة ظنّ فيها أن القوّة تمنحه حقّ السيطرة على مصائر الأخرين.
وأنه كان يعيش حياته كلّها خائفاً من الغد. يركض وراء الزمن، بينما الزمن لا يركض وراء أحد. وكلّما ظنَّ أنه امتلك الأرض، اكتشف في النهاية أن الأرض هي التي احتوته.
أما أنا، فقد تعلّمت ألاّ أتمسك بشيء. كلّ نهرٍ يدخلني، أستقبله، وكلّ موجة تغادرني، أودعها. ولو حاولت أن أحتفِظ بمياهي، لتعفّنت. لذلك بقيت حيّاً لأنني تعلّمت أن العطاء والحركة هما قانون الحياة. لا تسألني عن أعظم كنزٍ أخفيه في أعماقي، فليس الذهب ولا اللؤلؤ. أعظم ما أحفظه هو ذاكرة الإنسان.
ففي داخلي تنام قصص الذين أحبوا، والذين حاربوا، والذين حلِموا، والذين أخطأؤوا، والذين ظنوا أنهم غيَّروا العالم، بينما كانوا يغيِّرون أنفسهم فقط. ولهذا، كلما جلست أمامي صامتاً، لا أسمع صوتك، بل أسمع ما تعجزُ عن قوله.
فأنا لا أصغي الى الكلمات، بل إلى ما يختبئ خلفها. وربما لهذا السبب يعود الناس من عندي وهم يشعرون أن البحر حدّثهم، مع أنني لم أقل شيئاً... لقد كنت فقط أعيد إليهم صدى أعماقهم.
فإذا أردت أن تعرِف من أكون، لا تسأل عن مياهي، ولا عن عمقي، ولا عن اتساعي. إسأل الزمن الذي مرَّ بي ولم يستطِع أن يمحو مني ذكرى واحدة.
فأنا لست ماءً يملأ الأرض، بل ذاكرة تحفظ ما تنساه الحياة.