
عندما يُذكر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر/كانون الأول 1948، غالبًا ما تُذكر أسماء متعددة شاركت في صياغته، لكن اسم إليانور روزفلت يظل واحدًا من أكثر الأسماء ارتباطًا بهذه الوثيقة التاريخية. لم تكن روزفلت مجرد شخصية سياسية حضرت النقاشات، بل تولّت رئاسة لجنة صياغة الإعلان، ولعبت دورًا محوريًا في إدارة المفاوضات الشاقة التي سبقت اعتماده.
كانت إليانور روزفلت قد عاشت تجربة سياسية وإنسانية واسعة قبل وصولها إلى الأمم المتحدة. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان العالم لا يزال يحمل آثار الدمار والمجازر والنزوح، وكانت الحاجة إلى صياغة تصور مشترك لحقوق الإنسان أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
في عام 1946 عُيّنت روزفلت ضمن الوفد الأمريكي إلى الأمم المتحدة، وأصبحت أول رئيسة للجنة حقوق الإنسان التابعة للمنظمة، وهي اللجنة التي اضطلعت بالمهمة التاريخية المتمثلة في إعداد إعلان يحدد الحقوق والحريات الأساسية التي ينبغي أن يتمتع بها جميع البشر.
لم تكن المهمة سهلة. فقد اجتمعت حول طاولة واحدة دول ذات أنظمة سياسية وثقافات وأديان وتصورات مختلفة جذريًا حول معنى الحرية والمساواة وحقوق الفرد. وكان على اللجنة أن تجد لغة يمكن أن تقبل بها دول متباينة، في زمن كانت فيه التوترات الدولية بين الشرق والغرب تتصاعد بسرعة.
في هذا المناخ، لعبت روزفلت دورًا في إبقاء عملية الحوار مستمرة، وفي البحث عن أرضية مشتركة تسمح للأطراف المختلفة بالوصول إلى نص يمكن أن يمثل قيمة عالمية.
وتشير الأمم المتحدة إلى أنها ترأست أكثر من 3,000 ساعة من المداولات المرتبطة بتحديد مضمون الحقوق ومدى انطباقها على الجميع. لكن من المهم ألا تُروى قصة الإعلان العالمي باعتبارها إنجازًا لشخص واحد. فقد كان وراءها عدد كبير من الشخصيات والمساهمات.
شارك في عملية الصياغة مفكرون ودبلوماسيون وقانونيون من دول مختلفة، ومن أبرزهم الفرنسي رينيه كاسان الذي أسهم في صياغة المسودة الأولى، واللبناني شارل مالك الذي كان مقررًا للجنة، والصيني بنغ تشونغ تشانغ الذي شغل منصب نائب الرئيس، إلى جانب الكندي جون همفري الذي أعد مخططًا أوليًا مهمًا للوثيقة. وكانت روزفلت تدرك أن نجاح الإعلان لن يعتمد فقط على جمال الكلمات، بل على قدرته على تجاوز الحدود السياسية والثقافية.
لذلك كانت القضية بالنسبة إليها أكبر من مجرد وثيقة دبلوماسية؛ كانت محاولة لوضع معيار مشترك يمكن للإنسان أن يستند إليه عندما تُنتهك كرامته أو حريته. وفي إحدى مراحل النقاش، دفعت باتجاه إنجاز الإعلان في أسرع وقت ممكن، انطلاقًا من اعتقاد بأن عالمًا خرج لتوه من حرب مدمرة يحتاج إلى رؤية مشتركة للحقوق الإنسانية يمكن أن يتفق عليها، حتى لو استغرق بناء آليات قانونية كاملة لتنفيذها وقتًا أطول.
وفي 10 ديسمبر/كانون الأول 1948، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في باريس بموجب القرار 217 (III). ولم يكن الإعلان معاهدة ملزمة بالمعنى التقليدي، لكنه أصبح وثيقة مرجعية ذات تأثير هائل في القانون الدولي وفي تطور منظومة حقوق الإنسان حول العالم.
ولعل إحدى أهم القضايا التي تكشف طبيعة تلك المرحلة هي قضية المساواة بين النساء والرجال.
فلم تكن روزفلت وحدها في الدفاع عن حضور المرأة وحقوقها داخل عملية الصياغة؛ فقد لعبت نساء أخريات أدوارًا مهمة أيضًا، ومن بينهن الهندية هانسا ميهتا التي ارتبط اسمها بالنقاش حول صياغة المادة الأولى، بحيث أصبح التعبير يشير إلى أن "جميع البشر" يولدون أحرارًا ومتساوين، بدلًا من صياغة يمكن فهمها على أنها تحصر الحديث في الرجال.
وهكذا، لم تكن قصة إليانور روزفلت قصة امرأة وصلت إلى موقع دولي بسبب شهرتها السياسية فحسب، بل قصة شخصية استخدمت ذلك الموقع في لحظة تاريخية شديدة التعقيد للمساهمة في بناء لغة عالمية للكرامة الإنسانية. كانت تعرف أن الإعلان وحده لن ينهي الحروب أو الظلم أو التمييز، ولذلك كانت تنظر إليه باعتباره بداية لمسار طويل، لا نهاية له.
وبعد اعتماد الإعلان، أكدت أن هذه الخطوة ليست سوى بداية، وأن العالم سيظل بحاجة إلى وسائل وآليات تجعل الحقوق المعلنة واقعًا ملموسًا. واليوم، وبعد مرور عقود على ذلك اليوم التاريخي، ما زال اسم إليانور روزفلت حاضرًا في تاريخ حقوق الإنسان، ليس لأنها كتبت الإعلان بمفردها، وإنما لأنها ساهمت في قيادة واحدة من أصعب عمليات التفاوض التي أنتجت هذه الوثيقة، واستطاعت أن تساعد في جمع أصوات متباينة حول فكرة واحدة: أن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية لا ينبغي أن تكون امتيازًا تمنحه دولة أو حكومة أو جماعة، بل قيمة تستحق الحماية لكل إنسان.
ولهذا تبقى قصة إليانور روزفلت أكثر من فصل في تاريخ الأمم المتحدة؛ إنها تذكير بأن الوثائق الكبرى لا تولد عادة من توافق سهل، وإنما من حوارات طويلة وصراعات فكرية وتنازلات متبادلة، ومن أشخاص يؤمنون بأن الوصول إلى أرضية مشتركة، مهما كان صعبًا، أفضل من الاستسلام للخلاف.وفي النهاية، ربما تكمن أهمية روزفلت الحقيقية في أنها ساعدت على تحويل فكرة حقوق الإنسان من مجموعة مبادئ متفرقة إلى لغة عالمية استطاعت أن تتجاوز حدود الدول والسياسات، وتصبح مرجعًا تستند إليه أجيال لاحقة في الدفاع عن الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية.