
لم يعد ارتفاع مستوى سطح البحر ظاهرة بعيدة عن حياة الإنسان، بل أصبح واحداً من أبرز المؤشرات التي يستخدمها العلماء لقياس آثار الاحترار العالمي. وتشير وكالة الفضاء الأميركية NASA إلى أن متوسط مستوى سطح البحر العالمي ارتفع بنحو 91 مليمتراً منذ عام 1993، وأن الارتفاع يرتبط بصورة أساسية بذوبان الجليد والأنهار الجليدية، إضافة إلى تمدد مياه المحيطات عندما ترتفع حرارتها.
كما تشير ناسا إلى أن معدل الارتفاع الحديث غير مسبوق مقارنة بما شهدته الأرض خلال أكثر من 2500 عام. والأكثر إثارة للانتباه أن المسألة لا تتعلق فقط بزيادة عدد السنتيمترات، وإنما بتسارع معدل الارتفاع.
ووفق تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية عن حالة المناخ العالمي لعام 2025، بقي متوسط مستوى سطح البحر العالمي قريباً من المستوى القياسي المسجل في 2024، بينما بلغ معدل الارتفاع خلال الفترة 2012–2025 نحو 4.75 مليمتر سنوياً، مقابل نحو 2.65 مليمتر سنوياً خلال 1993–2011. وهذا الارتفاع له أسباب مترابطة. فعندما ترتفع حرارة الأرض، تتمدد مياه المحيطات حرارياً، وفي الوقت نفسه تفقد الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية جزءاً من كتلتها، فتنتقل كميات إضافية من المياه إلى المحيطات.
ومع استمرار الاحترار، يصبح منسوب البحر أعلى حتى لو لم تتغير كمية المياه بسبب التمدد الحراري.لكن ارتفاع البحر ليس وحده المسؤول عن كل فيضان نشهده اليوم. فالفيضانات الساحلية يمكن أن تصبح أكثر خطورة عندما تتزامن العواصف وارتفاع الأمواج والمدّ البحري مع مستوى بحر أصبح أعلى من السابق.
كما أن تغير أنماط الأمطار والأمطار الغزيرة يمكن أن يؤدي إلى فيضانات داخلية حتى في أماكن بعيدة عن السواحل. ولذلك فإن ما نشهده من كوارث مائية يجب ألا يُنسب آلياً إلى ارتفاع مستوى البحر وحده، بل إلى تفاعل مجموعة من العوامل المناخية والجغرافية والعمرانية.وتحذر الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC من أن متوسط مستوى سطح البحر العالمي، مقارنة بالفترة 1995–2014، قد يرتفع بحلول عام 2100 بنحو 28 إلى 55 سنتيمتراً في سيناريو الانبعاثات المنخفضة جداً، بينما قد يصل إلى نحو 63 سنتيمتراً إلى متر واحد في سيناريو الانبعاثات المرتفعة.
وهنا تظهر الصورة الأكثر خطورة: حتى ارتفاع يبدو صغيراً بالأمتار أو عشرات السنتيمترات على مقياس الكوكب قد يكون كبيراً جداً بالنسبة إلى مدينة ساحلية أو جزيرة منخفضة.فالخطر لا يتمثل فقط في أن تغمر المياه الشوارع، وإنما في تآكل الشواطئ، وتضرر البنى التحتية، وارتفاع ملوحة المياه الجوفية، وتراجع الأراضي الزراعية الساحلية، وتكرار الفيضانات التي كانت تحدث في السابق مرة كل عدة عقود.
وتشير دراسة منشورة ضمن مواد اليونسكو إلى أن ارتفاع مستوى البحر سيجعل الفيضانات الساحلية الشديدة أكثر تكراراً، وأن مناطق واسعة من آسيا، ولا سيما المناطق الساحلية المكتظة بالسكان، ستكون من بين المناطق الأكثر تعرضاً للمخاطر.
أما المنظمة العالمية للأرصاد الجوية فتؤكد أن متوسط مستوى البحر ارتفع بنحو 20 سنتيمتراً منذ بداية القرن العشرين، وأن ارتفاعه يؤدي إلى زيادة مخاطر الغمر الدائم للمناطق المنخفضة، وتآكل السواحل، وتسرب المياه المالحة إلى الأحواض الجوفية، فضلاً عن زيادة تكرار الفيضانات الساحلية.
الجواب العلمي هو: لا، ليس بهذا المعنى.لا توجد توقعات علمية موثوقة تقول إن القارات مثل آسيا أو أفريقيا أو أوروبا أو أميركا الشمالية والجنوبية ستختفي تحت المياه خلال هذا القرن. ما يمكن أن يحدث هو فقدان أجزاء من المناطق الساحلية المنخفضة، وتراجع بعض الشواطئ، وتعرض جزر منخفضة ومناطق دلتاوية ومدن ساحلية للغمر المتكرر أو الدائم.وتصبح الصورة أكثر تعقيداً على المدى البعيد جداً. فالـIPCC يوضح أن ارتفاع مستوى البحر سيستمر لقرون وآلاف السنين بسبب بطء استجابة الصفائح الجليدية والمحيطات للاحترار.
وحتى إذا حُصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية، فإن ارتفاع مستوى البحر العالمي قد يصل على مدى نحو ألفي عام إلى نحو مترين إلى ثلاثة أمتار، بينما قد يكون أعلى بكثير عند مستويات احترار أكبر. وهذا يعني أن القضية ليست سيناريو «غرق العالم غداً»، وإنما تغير تدريجي في الخريطة الساحلية وظروف الحياة البشرية، يمكن أن تصبح آثاره شديدة الخطورة إذا استمر الاحترار ولم تتكيف المدن والدول مع المخاطر الجديدة.كما أن الخطر يختلف من مكان إلى آخر. فبعض المناطق الساحلية تهبط أراضيها بسبب عوامل طبيعية أو بسبب استنزاف المياه الجوفية أو النشاط البشري، ما يجعل الارتفاع النسبي لمستوى البحر فيها أكبر من المتوسط العالمي. ولهذا يؤكد IPCC ضرورة دراسة الظروف المحلية إلى جانب متوسط ارتفاع البحر العالمي.
ربما تكون الصورة الأهم في هذه القضية هي أن ارتفاع البحر يعمل كعامل يضخم مخاطر أخرى. فعندما تأتي عاصفة قوية فوق بحر ارتفع مستواه بالفعل، تبدأ المياه من نقطة أعلى، وبالتالي يصبح وصولها إلى المناطق الساحلية أسهل. وعندما تتزامن أمطار شديدة مع بنية تحتية غير قادرة على تصريف المياه، يمكن أن تتحول دقائق أو ساعات من الأمطار إلى كارثة حضرية.
ولهذا فإن صور المدن التي تغمرها المياه، والطرق التي تتحول إلى أنهار، والمنازل التي تحاصرها الفيضانات، ليست كلها نتيجة مباشرة لارتفاع مستوى المحيطات، لكنها جزء من مشهد أوسع يرتبط بتغير المناخ، وتغير أنماط الهطول، والعواصف، والتمدن السريع، وضعف التخطيط العمراني في بعض المناطق.
والأكثر أهمية أن ارتفاع البحر ليس ظاهرة يمكن عكسها بسرعة بمجرد انخفاض درجات الحرارة. فالمناخ والمحيطات والصفائح الجليدية تستجيب ببطء شديد، ولذلك فإن القرارات التي تتخذها البشرية اليوم ستترك أثراً يمتد لعقود وقرون.
وفي أبريل/نيسان 2026، أكدت اللجنة الدولية الحكومية لعلوم المحيطات التابعة لليونسكو أن ارتفاع مستوى البحر أصبح من المخاطر العالمية التي تحتاج إلى الاستثمار في العلم والبيانات والتكيف والبنية التحتية، مشيرة إلى أن مستوى البحر العالمي ارتفع بالفعل بنحو 20 سنتيمتراً منذ عام 1900، وأن استمرار الانبعاثات المرتفعة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع يصل إلى نحو متر بحلول عام 2100، مع زيادة كبيرة في مخاطر الفيضانات الساحلية وتآكل الشواطئ وتسرب المياه المالحة.
إن السؤال الحقيقي ليس:
«هل ستختفي القارات؟»، بل: «كم من المدن والسواحل والأراضي المنخفضة يمكن أن تصبح أكثر عرضة للغمر والفيضانات خلال العقود المقبلة؟»
فالقارات لن تختفي فجأة، لكن شكل العلاقة بين الإنسان والبحر قد يتغير بصورة عميقة.
وقد تصبح بعض المناطق التي نعيش فيها اليوم أكثر تعرضاً للفيضانات، بينما قد تضطر بعض المجتمعات الساحلية والجزر المنخفضة إلى بناء دفاعات جديدة أو إعادة تخطيط مدنها أو، في الحالات الأكثر خطورة، التفكير في الانتقال إلى مناطق أكثر ارتفاعاً.
وهكذا لا يبدو البحر وكأنه «يبتلع الأرض» دفعة واحدة، بل يتقدم ببطء، سنتيمتراً بعد سنتيمتر، بينما تتزايد قيمة كل سنتيمتر بالنسبة إلى المدن والمجتمعات التي تعيش على حافة الماء.
مراجع أساسية استند إليها المقال: NASA، Sea Level – Vital Signs؛ الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC، AR6 Synthesis Report؛ المنظمة العالمية للأرصاد الجوية WMO، State of the Global Climate 2025؛ ومواد اليونسكو/اللجنة الدولية الحكومية لعلوم المحيطات حول ارتفاع مستوى سطح البحر.