الإِرْتِقَاء ،،، 🍂- الدكتور عماد الاعور


الإِرْتِقَاءُ حركةُ النّفس حين تستيقظُ من غفلتِها، وتتذكَّرُ أنّها وُجدت لتصعدَ في معاني النّور، وتتطهَّرَ من أثقالِ الوهم، وتنفتحَ على سرِّ الوحدة التي تجمعُ الكثرةَ في معنى واحد.في الإِرْتِقَاءِ يتحوَّلُ السَّيرُ إلى شهود، ويصيرُ الطَّلبُ حضورًا، ويغدو الإنسانُ مرآةً صافية ينعكسُ فيها نورُ الحقيقة.
الإِرْتِقَاءُ سُلَّمٌ باطنيٌّ تُقيمه النَّفس بين التَّجربة والمعنى، بين المحسوس والمشهود.كلُّ درجةٍ فيه تكشفُ حجابًا، وكلُّ نَفَسٍ يُقطعُ فيه يزيدُ الوعيَ اتِّساعًا.فهناك يتعلَّمُ السَّالكُ أنّ الحياةَ مجالٌ للتَّزكِّي، وأنّ الوجودَ مسرحُ تجلٍّ، وأنّ الفؤادَ وعاءٌ لأسرارٍ تُنيرُ الدَّرب متى صفا.
في مقامِ الإِرْتِقَاءِ يتخلَّى الإنسانُ عن تعلُّقه بالصُّور، ويتحرَّرُ من أسرِ المظاهر، فتنجلِي له الحقائقُ كما هي في علمِ النّور.يتعلَّمُ أنّ القوَّةَ في الرِّقَّة، وأنّ العلوَّ في التَّواضع، وأنّ الغنى في العطاء.هناك يتشكَّلُ وعيٌ جديد يرى الكونَ كلَّه مجرى للحكمة، ويدركُ أنّ كلَّ شيءٍ مُسخَّرٌ لتعليم النّفس سُبُل النُّضج.
الإِرْتِقَاءُ معرفةٌ تُولدُ من المعاناة المباركة، ومن صبرٍ يصقلُ الدّاخل، ومن مجاهدةٍ تُنقِّي المقاصد.فكلُّ ألمٍ يتحوَّلُ فيه إلى بصيرة، وكلُّ سقوطٍ يصبحُ درسًا، وكلُّ دمعةٍ تغسلُ طريقًا.هناك يتعلَّمُ الفؤادُ أنّ الحكمةَ تولدُ من صدقِ السُّؤال، وأنّ الجوابَ يأتي على هيئة نورٍ يسري في العمق.
في الإِرْتِقَاءِ يتجلَّى التَّوحيدُ حالًا، كنَبضٍ يسكنُ في كلِّ ذرَّة، وكنغمةٍ واحدةٍ تتعدَّدُ أصداؤها.يغدو الكثيرُ واحدًا في المعنى، ويصيرُ الواحدُ كثيرًا في التجلِّي.هناك يتذوَّقُ الإنسانُ سرَّ الجمع بين العدل والرَّحمة، ويشهدُ أنّ الحقيقةَ تتَّسعُ للجميع، وأنّ النّورَ يبلغُ كلَّ من فتحَ له الفؤاد.
الإِرْتِقَاءُ أدبٌ قبل أن يكون معرفة، وسلوكٌ قبل أن يكون قولًا.ففي ميزانه يترجَّحُ الصِّدق فوق الزَّيف، وتسمو المحبَّة فوق الأنانيَّة، وتتجذَّرُ الإنسانيَّة في التَّعامُل مع الخلق.هناك يتعلَّمُ السَّالكُ أنّ الكلمةَ أمانة، وأنّ الفعلَ شهادة، وأنّ النِّيَّةَ هي المفتاحُ الذي يُفتحُ به بابُ القبول.
في رحلةِ الإِرْتِقَاءِ يتحوَّلُ الزَّمن إلى معنى، وتصيرُ اللَّحظةُ موسمًا للتجلِّي.فكلُّ يومٍ فرصةٌ للتَّزكِّي، وكلُّ ليلٍ مجالٌ للمناجاة، وكلُّ صباحٍ ولادةٌ جديدة للوعي.هناك يتعلَّمُ الإنسانُ أنّ الطَّريقَ نفسَه تجلٍّ، وأنّ الوصولَ حالٌ يتجدَّدُ في كلِّ خطوة.
الإِرْتِقَاءُ نورٌ ينسابُ في الفؤاد حين يخلصُ القصد، وحين يصدقُ الطَّلب، وحين يسكنُ القلق.فيشهدُ الإنسانُ أنّ السَّكينةَ ثمرةُ الثِّقة، وأنّ الطُّمأنينةَ نتيجةُ التَّسليم، وأنّ الفرحَ العميق ينبعُ من معرفة المقصد.هناك يتجلَّى الحُبُّ طاقةً تشفي، ونبعًا يُحيي، ورابطًا يجمعُ القلوب في أُخوَّةٍ نورانيَّة.
وعند ذروةِ الإِرْتِقَاءِ يفهمُ الإنسانُ أنّ الرِّحلةَ داخليَّة قبل أن تكون ظاهرة، وأنّ المعرفةَ حياة، وأنّ الحياةَ شهود.فيسكنُ في نورٍ يهدي خطاه، ويعيشُ في وعيٍ يحفظُ توازنه، ويمضي في الدُّنيا كأنّه جسرٌ للخير، وكمشكاةٍ تضيءُ لمن حولها.
هكذا يكونُ الإِرْتِقَاء: سرًّا يُعاش، ونورًا يُشاهَد، وعهدًا يتجدَّد في كلِّ نبضةٍ من نبضات الرّوح، حتّى يصيرَ الإنسانُ شاهدًا على وحدة المعنى، وحاملًا لرسالة النّور في عالمٍ يحتاجُ إلى الإشراق.
ويتعمَّقُ الإِرْتِقَاء حين يدخلُ السَّالكُ مراتبَ الفهم العُليا، فينتقلُ من تلقِّي المعلومات إلى تمثُّل المعاني، ومن حفظ الدَّلالات إلى معايشة الحكمة.هناك يصيرُ العلمُ نورًا مقيمًا في الفؤاد، يرتِّبُ الإدراك، ويهذِّبُ الفكر، ويوجِّهُ القصد نحو المقصد الأسمى.فتتحوَّلُ المعرفةُ من صورٍ ذهنيَّة إلى حقائق مشهودة تُنتجُ سلوكًا متَّزنًا ورؤيةً راسخة.
وفي هذا المقام يترقَّى الإنسانُ في سُلَّم الفضائل، فيقتني الحكمة عن بصيرة، ويتشرَّبُ العدل عن فهم، ويحقِّقُ المحبَّة عن شهود.فتكونُ الفضيلةُ نتيجةَ برهانٍ حيٍّ يقومُ في الوجدان، وتكونُ القيمُ ثمارًا لتوازن العقل ونقاء الفؤاد.هناك يغدو السُّلوك دليلًا، ويصيرُ الأثر شاهدًا، وتُقاسُ المعرفة بما تُنتجه من صلاحٍ وإشراق.
ويتَّسعُ ميزانُ الإدراك حين يدركُ السَّالكُ أنّ الحقائقَ العُليا تُؤتى بتطهير الدّاخل وتسديد النَّظر، فيتشكَّلُ فيه وعيٌ برهانيٌّ يوفِّقُ بين النّور والعقل، ويجمعُ بين الذَّوق والحكمة.فيصبحُ الإنسانُ قادرًا على تمييز المعاني، وعلى إقامة أفعاله على أُسسٍ راسخةٍ تُحقِّقُ الخير وتُعلي القيمة الإنسانيَّة.
وهكذا يكتملُ مسارُ الإِرْتِقَاءِ، حين يلتقي نورُ المعرفة بجمال الفضيلة، وحين يتوحَّدُ الفهم والسُّلوك في شهادةٍ حيَّة، تجعلُ الإنسان أمينًا على المعنى، ومصباحًا للهُدى، وجسرًا يُوصلُ الحكمة إلى واقعٍ يتعطَّش للنّور.

@جميع الحقوق محفوظة