التخاطر: علمٌ أم عالمٌ آخر؟

سامي الحلبي ناشط حقوقي وسياسي  / باحث إجتماعي


هل سبق لك أن وجدت نفسك في موقف ذكّرك بزمانٍ ومكانٍ محددين أو بمجموعةٍ معينةٍ من الأشخاص لتكتشف لاحقاً أنك كنت، في الواقع، حاضراً بجسدك في ذلك الموقع عينه؟ وهل سألت نفسك حينها: "أنا أعرف هذا المكان وهؤلاء الأشخاص؛ لقد كنت هنا من قبل ورأيتُ هؤلاء الأفراد بالتحديد وهذا المشهد بعينه. 

وسمعتُ هذه الكلمات ذاتها- أم شيئاً مشابهاً لها بشكلٍ لافت؟".  هل حاولت يوماً الاتصال بشخصٍ ما، لتجد هاتفك يرن بعد ثوانٍ معدودة بمكالمةٍ واردةٍ من ذلك الشخص ذاته؟ وربما كنت تفكر في شخصٍ ما فتواصلت معه، ليرد عليك قائلاً إنه كان يفكر فيك للتو. 

بل هل بدا لك الأمر وكأنكما قد تواصلتما عبر شكلٍ من أشكال "التزامن الذهني"؟. التخاطر إذا كانت إجابتك هي "نعم"، فتابع القراءة.
لطالما أسر التخاطر الخيال البشري، ولا يزال يُعد واحداً من أكثر الموضوعات غموضاً وإثارة للجدل في رحاب النفس البشرية. 

ويُعرّف التخاطر عادةً بأنه القدرة على نقل الأفكار أو المشاعر أو الصور الذهنية من شخص إلى آخر دون الاستعانة بالحواس الخمس المألوفة؛ وبذلك يحتل التخاطر مكانة فريدة عند نقطة التقاء علم النفس، وعلم الأعصاب، والفلسفة، وأبحاث ما وراء علم النفس (الباراسيكولوجيا). 

وعبر التاريخ، سادت لدى العديد من الثقافات قناعة بأن أفراداً بعينهم يمتلكون حساسية نفسية استثنائية، تُمكّنهم من استشعار معلومات تقع خارج نطاق وسائل الاتصال العادية.
وعلى الرغم من أن العلم الحديث لم يُثبت صحة التخاطر كظاهرة مؤكدة بعد، إلا أن الباحثين والعلماء يواصلون استكشاف احتمالية أن يكون الدماغ البشري مخزناً لقدرات كامنة لم تُفهم كنهها بالكامل بعد. 

كما أن الدراسات التجريبية التي تبحث في مفاهيم مثل الحدس، والموجات الدماغية، والإدراك فوق الحسي، والوعي، تُغذي باستمرار الجدل الدائر حول إمكانية وجود تواصل مباشر غير حسي. ونتيجة لذلك، يظل التخاطر موضوعاً يحظى باهتمام شعبي واسع النطاق-حيث يتجلى حضوره في الأدب، والتعاليم الروحية، ووسائل الإعلام حتى في الوقت الذي يواصل فيه شغله لمكانة بارزة كموضوع للبحث والتقصي العلمي.
ما هو التخاطر بالتحديد؟التخاطر هو عملية النقل المباشر للأفكار، أو المشاعر، أو المعلومات من عقل إلى آخر دون استخدام اللغة المنطوقة، أو الكتابة، أو الإيماءات الجسدية. ويُشتق هذا المصطلح من كلمتين يونانيتين هما: tele (بمعنى "بعيد" أو "نائي") وpathos (بمعنى "شعور" أو "إدراك").
ويُصنّف العديد من الباحثين التخاطر على أنه شكل من أشكال "الإدراك فوق الحسي" (ESP). 

ويُعد الإدراك فوق الحسي (ESP) مصطلحاً شاملاً يندرج تحته عدد من القدرات المعرفية التي يُعتقد أنها تعمل خارج نطاق الحواس الخمس التقليدية. 

وغالباً ما يُصنّف التخاطر إلى عدة أنواع، تشمل:
التخاطر العاطفي ، وهو القدرة على استشعار مشاعر الآخرين.وأنا التخاطر الذهني ، وهو الإدراك المباشر للأفكار أو المفاهيم. التخاطر الرمزي: وهو إدراك الصور، أو الأرقام، أو الرموز في هيئة انطباعات ذهنية.
كيف يعمل التخاطر؟
في الوقت الراهن، لا يوجد تفسير علمي يحظى بإجماع عالمي ويقدم فهماً موحداً لآلية عمل التخاطر. ومع ذلك، فقد طُرحت العديد من النظريات في هذا الصدد. إذ يعتقد بعض علماء النفس أن التخاطر قد يكون مرتبطاً بالملاحظة اللاواعية أو بالحدس المُرهف.
بينما يفترض عدد من علماء الأعصاب أن الموجات الدماغية أو الإشارات الكهرومغناطيسية قد تلعب دوراً في إقامة روابط ذهنية بين الأفراد. ويعتقد آخرون أن التخاطر ينطوي على آلياتٍ لـ "الوعي الكمّي" أو أبعادٍ غير مستكشفةٍ للعقل البشري. ورغم هذه النظريات المتعددة، لم تُثبت أي نتائج تجريبية تم التوصل إليها في ظل ظروفٍ علميةٍ محكومة،  بشكلٍ قاطعٍ أن التخاطر يعمل بأسلوبٍ قابلٍ للتكرار.
ما هي نسبة نجاح التخاطر؟
بالنظر إلى النتائج المتضاربة للدراسات البحثية، تظل نسبة نجاح التخاطر غير واضحة. وتشير بعض التجارب—مثل تجربة "غنزفيلد" (Ganzfeld) إلى وجود نسبة نجاح أعلى قليلاً عندما يحاول المشاركون التواصل عن طريق التخاطر. ومع ذلك، يجادل البعض بأن هذه النتائج غير كافية لإثبات وجود التخاطر علمياً.
وبناءً على ذلك، يُنظر إلى التخاطر عموماً على أنه ظاهرة غير مُثبتة، بدلاً من كونه قدرة مُصدّقة علمياً. ويظل معظم الباحثين متشككين في الأمر نظراً للصعوبة التي تكتنف تكرار هذه التجارب.
كيف يمكن تطوير القدرات التخاطرية أو تعزيزها؟
غالباً ما يقترح المؤيدون لفكرة التخاطر أساليب لتحسين التركيز والحساسية العاطفية. وتشمل الأساليب الشائعة ما يلي:
* التأمل وتمارين اليقظة الذهنية

* التركيز العميق

* تقنيات التصور الذهني

* بناء رابطة عاطفية مع شريك أو صديق مقرب

* تقليل المشتتات لتعزيز التركيز؛ بل إن البعض يمارس ما يُسمى بالتواصل "الموجه ذهنياً". 

وينطوي هذا الأسلوب على قيام شخص واحد بالتركيز على صورة أو نص، بينما يحاول الشخص الآخر استشعار تلك المعلومات ذهنياً. 

ورغم أن هذه التقنيات قد تعزز الحدس والتعاطف، إلا أنه لا توجد حالياً أدلة علمية تثبت أنها تؤدي إلى اكتساب قدرات تخاطرية حقيقية.
كيف يمكن التعرف على شخص يمتلك قدرات تخاطرية؟ حالياً، لا توجد طريقة علمية لإثبات أن فرداً ما يمتلك قدرات تخاطرية. ومع ذلك، فإن الأفراد الذين يدّعون امتلاك هذه القدرات عادةً ما يُظهرون الخصائص التالية:
* حدس قوي

* حساسية عاطفية عالية

* مهارات ملاحظة ممتازة

* القدرة على تفسير الفروق الدقيقة في لغة الجسد والإشارات العاطفية
ويعتقد العلماء عموماً أن العديد من التجارب التي تُوصف بأنها تخاطرية ليست نتاجاً لتواصل خارق للطبيعة؛ بل يمكن تفسيرها من خلال علم النفس، أو المصادفة، أو الإيحاء، أو الملاحظة اللاواعية.


ما الفرق بين التخاطر والعلم الحديث؟

يكمن الفرق الأبرز بين التخاطر والعلم الحديث في غياب الأدلة التجريبية المتسقة. فالعلم يرتكز على أدلة قابلة للقياس، وتجارب قابلة للتكرار، وملاحظات قابلة للتحقق؛ في حين أن التخاطر لا يستوفي هذه المعايير حالياً.
وتتمثل الأسباب في الآتي:

* يدرس علم الفيزياء قوانين الطبيعة القابلة للقياس.

* يدرس علم الأعصاب نشاط الدماغ استناداً إلى البيانات القابلة للملاحظة. حيث يُعرّف علم النفس بأنه ذلك التخصص الذي يدرس السلوك البشري استناداً إلى نظريات مُثبتة.
لا تزال ظاهرة "التخاطر" (Telepathy) تُعد نظرية مثيرة للجدل. وعلى الرغم من أن التخاطر لا يزال يحظى باهتمام واسع النطاق، إلا أن التيار العلمي السائد لم يعترف به بعدُ كقدرة بشرية مُحكمة ومُثبتة بشكل قاطع.
ومن أبرز الشخصيات التي انخرطت في أبحاث التخاطر ما يلي:
أرسطو: ورغم أنه لم يكن "متخاطراً" بالمعنى الحديث للكلمة، إلا أن دراساته حول الإدراك، والوعي، والأحلام، وطبيعة العقل البشري كان لها تأثير عميق في الأبحاث النفسية اللاحقة.
تشيان شيويه-سن (Qian Xuesen): عالم صيني بارز نشط خلال القرن العشرين، وقد أبدى اهتماماً بالغاً بالوعي البشري، والقدرات العقلية الاستثنائية، والظواهر العلمية غير التقليدية.
جيه. بي. راين (J.B. Rhine): يُعتبر عموماً أحد مؤسسي "علم الباراسيكولوجيا" (ما وراء علم النفس) الحديث؛ حيث أجرى تجارب شهيرة حول "الإدراك فوق الحسي" في جامعة ديوك.


خاتمة: يظل التخاطر واحداً من أكثر الألغاز إثارة للفضول في رحاب الوعي البشري والتواصل الذهني. ورغم اعتقاد الكثيرين بإمكانية انتقال الأفكار مباشرةً من دماغ إلى آخر، إلا أن العلم الحديث لم يقدم بعدُ أدلة كافية تدعم الادعاء بأن التخاطر ظاهرة قابلة للتحقق والقياس. 

ومع ذلك، فإن الأبحاث المتعلقة بالحدس، والنشاط الدماغي، والوعي لا تزال تُشعل فتيل نقاشات مستمرة بين العلماء، والفلاسفة، وعلماء النفس.
وسواء نُظر إلى التخاطر باعتباره هبة خارقة للطبيعة، أو عملية نفسية أسيء فهمها، أو اكتشافاً علمياً مستقبلياً؛ فإنه يواصل استثارة فضول البشر عبر مختلف الثقافات والأجيال. ويعكس جاذبيته الدائمة رغبة البشرية العميقة في استكشاف إمكانات العقل البشري، وتطلعها إلى وسائل للتواصل تتجاوز حدود اللغة اليومية المألوفة.


المصادر:١. مكتبة الكونغرس: إحدى أكبر المكتبات في العالم، تضمّ مؤلفات في علم النفس، والفلسفة، وعلم ما وراء النفس، ودراسة الوعي.٢. أرشيف الإنترنت: يتيح الوصول الرقمي إلى عدد كبير من الكتب والأبحاث ، بما في ذلك مؤلفات حول الإدراك الحسي الخارق والتخاطر.٣. مشروع غوتنبرغ: مصدر ممتاز للنصوص الفلسفية الكلاسيكية، وأهمها مؤلفات أرسطو.