قصة "وعد بين الضباب" -ج8 للكاتبة لينا صياغة

الكاتبة والباحثة لينا صياغة

بدأت تُحاك في الخفاء خيوط حياةٍ ملوّثةٍ بالنوايا، حياة لا تُبنى… بل تُفصّل للتخلّص من نورا، واستنزاف أهلها قدر الإمكان.

لم يكن الأمر صدفة، ولا مجرّد سوء تفاهم، بل كان تخطيطًا باردًا، يختبئ خلف الوجوه والابتسامات.
فوالدها كان ميسور الحال، يملك أراضي تمتدّ كذاكرةٍ خصبة، وبستانًا يثمر خيرًا، ونمرة عمومية تُدرّ دخلاً، وبيتًا واسعًا تحيطه الجنائن من كل صوب…مكانٌ يشبه الحلم، لكنه في أعينهم لم يكن سوى غنيمة.
غنيمة دسمة، تُغري القلوب التي نسيت معنى القناعة، وتُوقظ في النفوس جوعًا لا يشبع.

فما رأوه لم يكن حياة تُصان، بل فرصة تُستغل…وما كانت نورا في حساباتهم إنسانة تُحَب، بل بابًا يُفتح نحو ما يملكون.
وهكذا، حين تغيب الرحمة، تتحوّل العلاقات إلى صفقات،وتُختصر الأرواح في أرقام،ويُصبح الحب قناعًا… يخفي وراءه أطماعًا لا تُرى،إلا بعد أن يكون الأذى قد وقع.

تواطأ الزوج مع أهله، واتّفقوا على حبكةٍ جديدة تُكمِل ما بدأوه في الخفاء.ادّعى أنه مقبلٌ على مشروعٍ ضخم، معملٍ للمسامير في البرازيل، وأن السفر صار ضرورة لا تحتمل التأجيل.

كلماتٌ منمّقة، خُيّلت وكأنها طموحٌ مشروع… لكنها في الحقيقة كانت ستارًا لنيّةٍ أخرى.
طلب من والدها أن يأتي إلى الكويت، ليصطحبها حين تضع مولودها، على أن يلحق بها لاحقًا ليأخذها مع الطفل.

بدا الأمر وكأنه ترتيبٌ عائليّ عادي، مليء بالحرص والاهتمام…لكن خلف هذا الهدوء، كان هناك اتفاق صامت، وخطّة تسير بخطواتٍ محسوبة.
وأوصى أهله أن يُبلغوا بيت عمّه بقراره، وكأن توسيع دائرة المعرفة سيمنح القصة مزيدًا من المصداقية، ويُثبّت أركان الحكاية أمام الجميع.

وهكذا كان…انتشرت الرواية كما أُريد لها، بلا شكوك، بلا أسئلة،كأن الحقيقة لا تحتاج أكثر من صوتٍ واثق… حتى لو كان يخفي بين حروفه خديعة .

بعد شهرٍ، جاء والدها إلى الكويت، وحملها معه إلى لبنان، كما خُطِّط للأمر أن يكون.

كانت الرحلة تبدو عادية في ظاهرها، انتقالٌ مؤقّت حتى تتّضح الظروف… لكن في عمقها كان شيءٌ غير مُطمئن يتسلّل بصمت.
أمّا هو، فكان يُتقن دوره بإحكام؛ يتظاهر بالانزعاج من الفراق، ويُظهر شوقًا متدفّقًا كأن المسافات تُثقله.كلماته كانت دافئة، لكنها مُرتَّبة أكثر مما ينبغي، كأنها تُقال لتُقنع… لا لتُعبّر.
ودّعته، وعيناها معلّقتان بشيءٍ لا يُرى، وقلبها ينبض بخوفٍ غامض، خوفٍ لم تجد له اسمًا.

لم يكن خوف الرحيل، ولا رهبة الولادة،بل إحساسٌ خفيّ بأن هناك ما يُخفى عنها،وأن الطريق الذي تسلكه الآن… لا يشبه العودة بقدر ما يُشبه الابتعاد .

ولم يخجل أن يطلب مبلغًا كبيرًا، يزعم أنه سندٌ له في افتتاح مصنعه.طلبه بثقةٍ من اعتاد الأخذ، لا من يخشى أن يُثقل على غيره.
وبكل طيبة خاطر، لم يتردّد والدها.رهن كرم الزيتون… ذلك الإرث الذي كان يُشبهه في عطائه وثباته، وجمع المبلغ وناوله إيّاه، كأنما يضع بين يديه تعب السنين دون حساب.
لم يسأل كثيرًا، ولم يُفتّش في النوايا،فالقلب الذي امتلأ رحمةً ومحبة، يرى في الناس ما يحمله هو في داخله.

كان حسن الخلق، نقيّ السريرة،يُعطي بدافع الخير، لا بدافع الحذر.
ودعا له بالتوفيق،دعاءً صادقًا خرج من قلبٍ لا يعرف الخديعة…قلبٍ آمن أن الخير الذي يُزرع، لا بد أن يُثمر،حتى لو تأخّر المطر