
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
ما أرقَّ الحب حين يزور القلب دون موعد، ودون أن يقرع أبوابه أو يستأذن العقل في الدخول. يأتي كما يأتي الفجر الى نافذة أرهقها ظلّ الليل الصامت، فلا يوقظها بضجيج، بل يوقظ فيها النور الذي يسكن بخشوع في حناياها.
وفجأة، دون أن ندري كيف حدث ذلك، يصبح للوجود وجه آخر؛ تتسع السماء، وتلين الريح، وتغدو الأشياء البسيطة أكثر امتلاء بالدفء والحياة. ليس لأن الكون قد تغيّر، بل لأن الحب قد غسل أعيننا من غبار الأيام المتكدسة، وأعاد لنا صفاء البصر والقدرة على رؤية الجمال الذي كان حاضراً دائماً، لكننا كنا نعبر بجواره مثقلين بهمومنا واحمالنا فلا نراه.
ما أعجب هذا السر الذي يجعل قلباً واحداً قادراً على أن يبدِّل صورة العالم كلِّه. فما إن يمتلئ الإنسان حباً حتى يشعر أن الحياة لم تعد ساحة للصراع، بل حديقة خُلقت لتزهرُ، وأن الوجوه ليست ملامح عابرة عبور الزمان، بل نوافذ تُطل منها الأرواح على بعضها بفرح وسلام.
عندها لا يعود الزمن مجرد ساعات تتساقط من العمر، بل يصبح لحظات تُقاس بما حملته من دفء وصدق، لا بما مرَّ فيها من عصور ودهور. ولعل أجمل ما في الحب أنه لا يسير نحو غاية، لأنه منذ اللحظة الأولى يكون قد بلغها.
نحن نبحث عن أشياء كقيرة لأننا نظن أن اكتمالنا يقيم في نهايتها؛ نسعى ونتعب ونؤجل أفراحنا بانتظار يوم نظنه يحمل إلينا السكيسنة. أما الحب فلا يعرف هذا الإنتظار، لأنه ليس وعداً بالسعادة، بل حضورها، وليس طريقاً الى الحياة، بل الحياة وهي تبلغ صفاءها الأول.
لذلك لا يسأل الحب: ماذا سأجني؟ ولا الى أين سأصل؟ فالسؤال عن الغاية لا يطرحه إلا من يشعر أن شيئاً ما يزال ينقصه، أما الحب فلا يعيش شعور النقص، بل يمنح الروح إحساساً نادراً بالإكتفاء، كأنها عادت أخيراً الى موطنها الذي غابت عنه طويلاً.
ولهذا يذبل الحب كلما حاولنا تحويله الى وسيلة. حين نحب لنمتلك، أو لننتصر، أو لنملأ فراغاً يخيفنا، فإننا نحمِّله ما لم يُخلَق له. الحب لا يعرف لغة الإمتلاك، لأن الزهرة، لا تطلب من الفراشة أن تجعل منها مسكناً الى الأبد، ولا الغيمة تطالب الأرض أن تُعيد لها ما أودعتها من مطر، كلّ ما في الطبعة يحب بطريقته، ثمّ يترك للحب حريته، ولذلك يبقى جميلاً.
وحده الإنسان يحاول أحياناً أن يُقيِّد الحب، فيكتشف، بعد فوات الأوان، أن أول ما يموت في الأسر هو الجمال. إن الحب لا يجعلنا أكبر من الآخرين، بل يجعلنا أقرب الى حقيقتنا. يخلع عن الروح ما علِق بها من قسوة، ويُعيد إليها تلك البراءة التي كانت تعرف كيف تفرح بزهرة صغيرة، وكيف تصدِّق ابتسامة صادقة، وكيف ترى في العطاء غنى، لا خسارة.
إنه لا يضيف الى الإنسان قلباً جديداً، بل يُعيد إليه القلب الذي أخفته الحياة تحت طبقاتٍ من الخوف والتعب والخذلان. وحين يبلغ الحب هذا المقام، لا يعود مجرّد علاقة بين شخصين، بل يُصبح طريقة في رؤية الوجود كلّه. نصغي الى الناس برفق، ونعذر أكثر مما نحاكم، ونغفر أكثر مما نعاتب، ونكتشف أن القوة الحقيقية ليست في أن نغلب أحداً، بل في أن نبقى قادرين على المحبة رغم كل ما علّمنا ا
لألم من قسوة.
فالحب ليس هروباً من الواقع، بل أجمل طريقة لمواجهة هذا الواقع دون أن نفقد إنسانيتنا. وحينئذ فقط نفهم أن الحب لا يعرف البحث عن الغاية، لأنه غاية الغاية. إنه النهاية التي تنتهي عندها رحلة القلب، والبداية التي تبدأ منها رحلة الروح.
وكل ما يطلبه منا ليس أن نمتلك العالم، بل أن نعود الى أنفسنا أنقى مما كنا، وأخف من أحزاننا، وأكثر قدرة على أن نكون بشراً. ففي اللخظة التي يحب فيها الإنسان حقاً، لا يشعر أنه وجد شخصاً فحسب، بل يشعر للمرة الأولى، أنه وجد نفسه.