
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
من أكثر ما يلفت النظر في التجربة الإنسانية، أن البشر وهم يعيشون في عالم واحد، لا يرونه بالطريقة نفسها. يختلفون في فهم الأشياء، وفي تفسير الأحداث، وفي تحديد ما يرونه مهمّاً أو ثانوياً، بل ويختلفون أحياناً حول أكثر القضايا وضوحاً. وقد يبدو هذا الإختلاف للوهلة الأولى وكأن البشر يعيشون حقائق متعددة.
لكن ثمّة احتمالاً آخر أكثر عمقاً: أن تكون الحقيقة واحدة، بينما تتعدد وجوه إدراكها. فالإنسان لا يدرك العالم إدراكاً مطلقاً مجرداً، وإنما يدركه من خلال وعي محدود، وتجربة شخصية، وذاكرة، ولغة، وثقافة، ومعرفة سابقة، وظروف تاريخية واجتماعية تشكل الطريقة التي يظهر بها الشيء أمامه.
نحن لا نختار دائماً الإطار الذي ننظر من خلاله العالم، بل كثيراً ما نرثه ونعيش داخله قبل أن نبدأ في مساءلته. ولذلك فإن ما يظهر لنا من الحقيقة ليس بالضرورة الحقيقة في تمامها، بل ما استطاع وعينا أن يلتقطه منها في اللحظة التي نقف فيها أمامها. يمكن تقريب الفكرة بمشهد بسيط: تخيّل جبلاً واحداً يقف شامخاً في مكانه، بينما ينظر إليه أشخاص من جهات وأوقات مختلفة، من يقف عند سفحه الشرقي قد يرى الغابة الممتدة على جانبه، ويرى الشمس وهي تشرق مع كل صباح من خلف أشجارها، فيكون النور والصباح جزءاً من تجربته مع الجبل.
أما من يقف في الجهة الغربية فقد يرى الصخور والإنحدارات، ويرى الشمس مع كل مساء وهي تغيب خلفها، فيصبح الغروب والظل جزءاً من تجربته. ومع ذلك، لا يوجد جبلان ولا شمسان؛ الجبل واحد والشمس واحدة، وإنما اختلف المشهد الذي انكشف لكل ناظر تبعا للموضع والزمن الذي وقف فيه.
ولو اجتمع هؤلاء وتبادلوا ما رأوه، لما تغيّرت الحقيقة ، وإنما اتسعت صورتها في وعيهم. لكن الإنسان يختلف عن المشاهد العابر، فهو لا يرى الأشياء بعينيه فقط، وإنما يفسرها أيضاً.
وهنا تبدأ المسألة الأكثر تعقيداً. فقد يرى شخص حدثاً معيناً باعتباره خسارة، بينما يراه آخر فرصة، ويرى ثالث فيه نتيجة حتمية لسلسلة من الظروف. الحدث واحد، لكن معناه يتشكل داخل الوعي بحسب المعرفة والتجربة والتوقعات التي يحملها كل إنسان.
ولذلك ينبغي التمييز بين الشيء كما هو، وما نراه منه، والمعنى الذي نعطيه لما رأيناه. فاختلاف المعنى لا يعني بالضرورة اختلاف الواقع، كما ان اختلاف الإدراك لا يجعل كل تفسير صحيحاً بالدرجة نفسها.
وهنا تظهر حدود هذه الفكرة. فإذا قلنا إن لكل إنسان إدراكه الخاص، فلا ينبغي أن نستنتج أن كل ما يدركه الإنسان حقيقة. فالإنسان يستطيع أن يخطئ، وأن يخدع نفسه، وأن يُسيء تفسير ما يرى، وأن يبني حكماً واسعاً على تجربة ضيقة.
إن محدودية الإدراك لا تعني مساواة جميع الإدراكات، وإنما تعني أن الإنسان ينبغي أن يكون واعياً بحدود إدراكه. وهذا الوعي هو الذي يحوِّل الإختلاف من صراع بين يقينات الى إمكان الحوار والمعرفة.
ولعلّ تاريخ الفلسفة يقدم مثلاً بالغ الدلالة على ذلك. فمنذ الفلسفة اليونانية، لم يكن الإختلاف بين الفلاسفة مجرد اختلاف في الأجوبة، بل كان اختلافاً في الأسئلة التي وضعوها في مركز اهتمامهم وفي الطريقة التي اقتربوا بها من الوجود. هيراقليطس جعل التغير والصيرورة في قلب تفكيره، بينما بارمنيدس الثبات ووحدة الوجود.
ثمّ جاء أفلاطون ليبحث في المعرفة وما يتجاوز المحسوس، بينما أعاد أرسطو النظر الى الموجود من خلال الطبيعة والحركة والعلل. وليس من الدقة أن نقول أن هؤلاء جميعاً كانوا يرون الشيء نفسه بالطريقة نفسها؛ لكن تاريخ الفلسفة يكشف لنا كيف يستطيع السؤال الذي يبدأ منه الإنسان أن يحدد جانباً من الوجود يظهر له أكثر من غيره.
ومن هنا قد يكون الإختلاف الفلسفي أكثر من مجرد اختلاف في الآراء؛ إنه أحياناً اختلاف في الموضع الفكري والوجودي الذي يبدأ منه الإنسان سؤاله. فإذا سألنا: ما الإنسان؟ يمكن أن يظهر لنا بوصفه كائناً عاقلاً، أو كائناً اجتماعياً، أو كائناً بيولوجياً، أو كائناً أخلاقياً، أو كائناً يبحث عن المعنى.
لا يعني تعدد هذه الأوصاف أن الإنسان قد أصبح كائنات متعددة، وإنما يعني أن الشيء الواحد يمكن أن يكشف عن خصائص مختلفة بحسب السؤال الذي نضعه أمامه.
وهذا ينطبق على حياتنا اليومية أيضاً. فقد ينظر المدير الى خطأ أحد العاملين باعتباره مشكلة في الأداء، بينما يراه العامل نتيجةً لضغطٍ أو سوء فهم، وقد يراه زميل آخر نتيجة لخلل في طريقة تنظيم العمل.
الحدث نفسه لم يتغير، لكن كل شخص يلتقط منه جانباً يرتبط بموقعه من التجربة. وإذا اكتفى كل طرف برؤيته الخاصة، تحول الإختلاف الى اتهام؛ أما إذا حاول كل واحد منهم فهم ما ظهر للآخر، فقد يتحول الإختلاف الى معرفة أوسع بالمشكلة.
ولذلك ربما لا يكون الخطر الأكبر في أن تختلف رؤيتنا للحقيقة، بل في أن ننسى أنها رؤيتنا نحن. فعندما بخلط الإنسان بين الحقيقة وبين صورته عنها، يصبح مستعداً للدفاع عن صورته كما لو كان يدافع عن الحقيقة ذاتها.
ومن هنا يمكن أن يولد التعصب، ليس فقط في رفض الآخر، وإنما في العجز عن التمييز بين ما هو موجود خارجنا وبين الطريقة التي ظهر بها ذلك الموجود داخل وعينا. إن الإعتراف بتعدد وجوه الإدراك لا يعني إذن التخلي عن الحقيقة أو تحويلها الى أمر منسي، بل يعني الإعتراف بحدود الإنسان في الوصول إليها.
الحقيقة لا تتغير لأننا اختلفنا في فهمها، ولكن فهمنا لها يمكن أن يتغير كلما اتسعت معرفتنا، وتنوعت تجاربنا، واستطعنا أن نرى ما لم نكن نراه من قبل. وربما هنا تكمن قيمة الإختلاف الإنساني.
فالآخر لا يحمل بالضرورة حقيقة مختلفة عن حقيقتي، لكنه قد يحمل رؤية الى الحقيقة لم تكن حاضرة في وعيي. وقد يكون الحوار الحقيقي هو اللحظة التي لا أحاول فيها أن أجعل الآخر يرى العالم بعيني، بل أحاول أن أرى ولو قليلاً، من خلال عينيه. عندها لا تتجزأ الحقيقة، وإنما تتسع قدرتنا على إدراكها.
ومن هذه الزاوية يمكن إعادة النظر في الفلسفة نفسها. فربما لم يكن تاريخها مجرد سلسلة من الفلاسفة الذين قال كل واحد منهم : " أنا أملك الحقيقة"، بل تاريخاً طويلاً لمحاولات الإنسان أن يقترب من حقيقة أكبر من قدرته الفردية على الإحاطة بها. بعضهم بدأ من العقل، وبعضهم من الطبيعة، وبعضهم من الوجود، وبعضهم من الإنسان، وبعضهم من اللغة أو التاريخ؛ وكلما تغيّر السؤال تغيّر الجانب الذي أصبح في مركز النظر.
لكن الإنسان يبقى أمام مفارقة لا يستطيع تجاوزها بسهولة: هو يبحث عن الحقيقة بوعي محدود، ويحتاج الى أن يستخدم هذا الوعي نفسه لكي يدرك محدوديته. وربما لا تكون الحكمة في أن يتخلى عن البحث عن الحقيقة لأنه لا يستطيع امتلاكها كاملة، ولا في أن يدعي امتلاكها، بل في أن يواصل الإقتراب منها وهو يعرف أن ما يراه منها ليس بالضرورة كل ما يمكن أن يرى.
لذلك قد يكون السؤال الأعمق ليس: من منا يملك الحقيقة؟ وإنما : ماذا يظهر من الحقيقة لنا، ولماذا يظهر لنا بهذه الصورة؟ وما الذي يمكن أن يبقى خارج حدود أفكارنا؟ فالحقيقة قد تكون واحدة، لكن وجوه إدراكها متعددة، والإنسان لا يرى العالم كله دفعة واحدة، بل يراه من خلال وعيه المحدود وتجربته الخاصة.
وكلما اتسع وعيه بحدوده، واتسع استعداده للإستماع الى تجارب الآخرين، أصبح قادراً على تجاوز ضيق رؤيته دون أن يتخلى عن البحث عن الحقيقة.
فالحقيقة لا تتعدد باختلاف الناظرين اليها، وإنما تتسع صورتها بأعيننا كلما اتسع أفق إدراكنا لها.