
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
عندما تضيق الكلمات عن حمل ما في القلب من وجدٍ وشوق، يُخرِج الإنسان من أعماقه ذلك النداء القديم: "يا روحي"... وكأنه لا يخاطب شيئاً بعيداً عنه، بل يلامس جزءاً يسكنه ولا يراه. وعندما يبلغ الحنين ذروته، يعود الإنسان فيقول: " أنت روحي" ... فهل تساءل أحدنا يوماً: لماذا أصبحت الروح أسمى لغةٍ للتعبير عن الحبِّ، وأصدق لغةٍ للتعلّق والإشتياق؟ وما السرّ الذي تخفيه هذه الكلمة الصغيرة التي تحمل في داخلها عالماً كاملاً من المشاعر؟ ربما لأن الروح هي المكان الذي لا تصل إليه يد الزمن، والموضع الذي تحفظ فيه الحياة أثارها العميقة. ففي أعماق الروح زاوية خفيّة لا تُرى، تُجمع فيها صور العمر كلّها؛ لحظات الفرح والحزن، وجوه الذين أحببناهم، أصواتاً رحلت، وأياماً ظننا أنها مضت، لكنها بقيت حاضرة فينا. هناك تحفظ الروح ما عجز الزمن عن الإحتفاظ به، وتُمنح الأشياء العابرة قدرة غريبة على البقاء .
وفي لحظات السكون، حين يبتعد الإنسان قليلاً عن ضجيج الحاضر، يفتح الحنين أبواب تلك الزاوية المخفية،، فيأتي كزائر رقيق من زمن بعيد، يحمل بين يديه مفاتيح الذاكرة، ويفتح نوافذها على مشاهد كانت نائمة في أعماقنا.
يعود بنا الى لحظات لم تعد موجودة إلاّ أنها ما زالت تنبض في الداخل، فنعيشها من جديد لا كما كانت في حقيقتها، بل كما حفظها القلب بعد أن غمرها بنوره ودفئه. فالذكريات ليست مجرد صور لأيام رحلت، بل هي الحياة الثانية للاشياء التي أحببناها؛ هي الطريقة التي تمنح بها الروح للماضي حضوراً جديداً.
فالإنسان لا يستعيد الزمن كما كان تماماً، بل كما استقرّ في داخله؛ فالذاكرة لا تحفظ الأحداث فقط، بل تحفظ المعنى الذي تركته تلك الأحداث فينا. فالذاكرة ليست مرآة جامدة تعكس التفاصيل، بل هي يدٌ رحيمة تعيد رسم اللوحة بألوان أكثر رقّة.
تخفف قسوة المشاهد، وتطفئ حِدّة الألم، وتترك لنا من الحكاية أجمل ما فيها. فكثيراً ما نعود الى لحظات ظنناً في وقتها أنها كانت ثقيلة ومؤلمة، ثمّ نراها بعد سنوات بعيون مختلفة، فنكتشف فيها جمالاً لم نكن قادرين على رؤيته آنذاك.
كأن الزمن يمتلك سرّاً خفيّاً؛ فهو لا يكتفي بالمرور فوق أيامنا، بل يعمل بصمت على تنقية ما مرَّ بنا. يأخذ من التجارب خشونتها ويترك نعومتها، يمسح غبار التعب عن الوجوه والأماكن، ويحتفظ بالضياء الذي يسكنها. فكم من طريق حمل خطوات متعبة وقلقاً طويلاً، ثمّ أصبح في الذاكرة طريقاً مفعماً بالدفء، تملأه أصوات الأحبة ورائحة الأيام التي مضت.
فالزمن لا يغير الأحداث فقط، بل يغير علاقتنا بها؛ يحول بعض الجراح الى حكايات، وبعض الأحزان الى حكمة، وبعض الغياب الى حضور من نوع آخر.
وربما لهذا السبب يبدو الماضي أحياناً أكثر جمالاً من لحظته الأصلية؛ لأن الروح لا تحتفظ دائماً بمرارة الألم، بل تختار منه المعنى الذي يضيء طريقها.
والحنين ليس اشتياقاً الى الأماكن والأشخاص فقط، بل هو شوق الى الإنسان الذي كنّاه ذات يوم. نحن لا نشتاق فقط الى البيوت التي سكناها، ولا الى الطرقات التي عبرناها، بل الى المشاعر التي عشناها فيها؛ الى قلب كان أكثر دهشة، والى أحلام كانت أكثر طهراً، والى أرواح كانت ترى العالم بعيون ممتلئة بالأمل والإحتمالات.
ولهذا تمتلك الذكريات سحراً لا يشبه أي سحر آخر؛ فقد تعيدنا أغنية قديمة الى سنوات بعيدة طواها الزمن، وقد تفتح رائحة مكان استثنائي باباً دفيناً في الروح، وقد تجعل صورة صغيرة تجمع وجوها غابت تنبض بالحياة من جديد.
إنها قدرة الإنسان العجيبة على أن يمنح الغائب حضوراً، وأن يجعل ما انتهى يواصل العيش في داخله. لكن أجمل ما في الذكريات أنها لا تأخذنا بعيداً عن الحاضر، بل تمنح الحاضر عمقاً ومعنى.
فالإنسان لا يحمل ماضيه كعبء، بل يحمله كحديقة داخلية يستريح فيها عندما يتعب من الطريق.
فالذكريات جذور لا تقيّدنا، بل تمنحنا الثبات ونحن نمضي نحو الأيام التي لم تأت بعد. وربما أجمل ما في الإنسان أنه يستطيع أن يصنع من اللحظات العابرة شيئاً يشبه الخلود؛ ابتسامة صغيرة، لقاء عابر، كلمة قيلت منذ سنوات، قد تتحوّل كلّها الى كنوز لا يطالها النسيان.
فالأيام تمضي، والوجوه تتغيّر، والأماكن تفقد أصواتها الأولى، لكن بعض اللحظات تنجو من الرحيل لأنها لم تعد جزءاً من الزمن، بل أصبحت جزءاً من الروح.
إن الذاكرة هي الوطن الذي لا تُنفى منه أبداً؛ هناك تبقى الطفولة مشرقة، ويبقى الأحبة قريبين، وتبقى الأيام الجميلة معلقة خارج قوانين الفقد.
وكأن الزمن، بعد أن يأخذ منا الكثير، يترك لنا أعظم هداياه: القدرة على العودة... لا الى الماضي كما كان، بل الى النور الذي تركه فينا.