الرحلة الصامتة في قلب الإنكسار والتحوّل - ايمان أبو شاهين يوسف

الكاتبة والباحثة إيمان أبو شاهين يوسف

في لحظة استثنائية حاسمة، تهتزّ فيها الأرض تحت أقدام نفوسنا، ونشعر بأن شيئاً جوهرياً في داخلنا  قد انكسر. قد يكون حلماً، أو شخصاً، أو صورة قديمة لنا. لكن، هذا الشيء يسقط فجأة بلا رحمة، فتتسلّل آلام الروح  بين ضلوع صدورنا، ويصير العالم أثقل من أن نتحمّله. 

في هذه اللحظة العميقة تتهاوى أمامنا الصور، وتتهدم في وجداننا الثوابت، ويصبح الماضي ثقيلاً على حاضرنا، وحاضرنا غريباً على أنفسنا. هنا، نقف عاجزين نتساءل عن السبب، عن العدالة وعن المعنى، وكأن  كلّ شيء في الحياة ينهار أمام توقعاتنا، ونصبح تائهين بأفكارنا، مشردين بقنعاتنا،لا مرجع ثابت يمكن ان نعود اليه ونقيس به تصرفاتنا.  

هذا الإنكسار الداخلي الذي أصابنا قد يكون ما يسمى بالقدر، لكن رغم ذلك يجب ان  لا يكون بالنسبة الينا  "النهاية"، بل يجب أن يشكّل الشرارة  القادرة على  فتح الطريق  أمامنا  نحو التحوّل. أمّا التحوّل  فلن يأتي الينا فجأة،  ولا  دفعة واحدة، بل إنه طريق طويل مصحوب بنور الهداية نحو مكان آخر. 

وهو لا يُفرض فرضاً علينا، بل يولد من خلال تجربة طويلة تُنِْتج فينا اختيارا هادئا: " أن نواجه الإنكسار الذي كاد أن يقتلنا، أن نتأمل صدوع الروح بشفافية، وأن نُعيد ترتيب ما تبقى من شظايا الذات المتناثرة، بطريقة لا تشبه ما كنا عليه، ولكن بصورة أكثر صدقاً وأدق توصيفا. 

بين الإنكسار والتحوّل مسافة غير مرئية، صامتة ، قلقة ، غير ثابتة.  نقف فيها معلقين بين ما فقدنا وما يمكن أن نصبح عليه. الإنكسار يتركنا ضعفاء الروح، هشّين البناء ، مفتوحين على الألم. والتحوّل يمنحنا القدرة على أن نكون ليّنين قابلين للتفتت، ولكن أصدق، وأكثر وعياً بما نحن عليه. 

في الإنكسار، يتعلم  الإنسان ما يمكن أن يكسره، ما يُربك حياته، وما ينهار في وجوده حين يواجه عالماً ظالماًَ بلا رحمة. في التحوّل ، يتعلم الإنسان كيف ينهض، وكيف لا يعود كما كان، بل ليكون على تماس مباشر مع نفسه، مع هشاشته، ومع كلّ خيباته. ألإنكسار يسأل: " لماذا حدث هذا لي؟"،أما التحوّل فيسأل: " ماذا أفعل بما حدث لي؟". ألإنكسار يُعلِّقنا في الألم، والتحوّل يحوّ ل ما نشعر به من ألم الى معرفة تملأ عقولنا، وصمت صادق يدفئ قلوبنا، ويشعل نورا داخلي فينا يضيء لنا الطريق. 

لكن ليست كل الإنكسارات قادرة على التحوّل. بعضها يبقى جرحاً مفتوحاً يذكرنا بصمتنا ويقف عائقاً أمام سَيْرَنا وتقدمنا. لكن من يختار التحوّل ويواجه انكساره ويصغي لآسباب آلامه، يكتشف أن الألم يمكن أن يتحوّل الى مدرسة قادرة على التعليم والتوجيه، كما ويكتشف أن صدوع الروح يمكن أن تتحوّل الى مساحة مليئة بالمعاني. 

"نحن لا نتحوّل كي نعود أقوى، بل كي نكون أصدق ونصير أكثر حضوراً مع أنفسنا ومع العالم، على الرغم من هشاشتنا". ألإنكسار قدر، أمّا التحوّل فاختيار. وفي هذا الإختيار يكمن الأمان والسلام، ليس في الهروب، ولا في النسيان، بل في القدرة على الإستمرار، على التحمّل، على الصمت الذي يحوّل الألم الى معرفة، والمعاناة الى نور داخلي يرافقنا في الطريق الطويل. 

المراجع:

كتاب النبي- جبران خليل جبران- دار الجمل- 2018 كتاب التحوّل الى الله – النفري- دار الشروق - 2025 بحث الإنسان عن معنى الحياة – فيكتور فرانكل – دار الفكر – 2006 الحمامة الرومية – جلال الدين الرومي- دار الشروق - 2004