السجائر الإلكترونية... بديل أم خطر؟

السجائر الإلكترونية... اختراعٌ وُلد للمساعدة على الإقلاع عن التدخين أم بوابةٌ لإدمان جديد؟


مع تزايد الوعي العالمي بمخاطر التدخين التقليدي، ظهرت السجائر الإلكترونية بوصفها ابتكارًا قيل إنه قد يساعد المدخنين على تقليل استهلاك السجائر أو الإقلاع عنها. غير أن هذا المنتج، الذي انتشر بسرعة كبيرة في مختلف أنحاء العالم، أثار جدلًا واسعًا بين الأطباء والباحثين، بعدما أظهرت الدراسات أن مخاطره ليست بسيطة كما كان يُعتقد في بداياته، وأنه قد يتحول إلى وسيلة جديدة لإدمان النيكوتين، خاصة بين الشباب والمراهقين.

بدأت قصة السجائر الإلكترونية بشكلها الحديث عام 2003 عندما اخترعها الصيدلي الصيني هون ليك (Hon Lik)، الذي كان يعمل في مجال الأبحاث الطبية. جاءت فكرته بعد وفاة والده بسرطان الرئة الناتج عن التدخين، فسعى إلى ابتكار جهاز يمنح المدخن جرعة من النيكوتين من دون حرق التبغ، معتقدًا أن ذلك قد يكون أقل ضررًا من السجائر التقليدية. 

وفي عام 2004 طُرحت أولى السجائر الإلكترونية في الأسواق الصينية، ثم انتقلت تدريجيًا إلى أوروبا وأمريكا، لتتحول خلال سنوات قليلة إلى صناعة عالمية تقدر قيمتها بعشرات مليارات الدولارات.تختلف السجائر الإلكترونية عن السجائر التقليدية في طريقة عملها، فهي لا تحرق التبغ، بل تعتمد على تسخين سائل خاص يحتوي عادة على النيكوتين، بالإضافة إلى مواد مثل البروبيلين غليكول، والغليسرين النباتي، والمنكهات المختلفة، فيتحول السائل إلى رذاذ يستنشقه المستخدم. ولذلك لا ينتج عنها القطران وأول أكسيد الكربون اللذان يعدان من أخطر مكونات دخان السجائر العادية.

لكن غياب الاحتراق لا يعني أن هذه الأجهزة آمنة تمامًا، إذ تؤكد المؤسسات الصحية أن بخارها يحتوي على مواد كيميائية دقيقة قد تدخل إلى الرئتين، وبعضها قد يسبب التهابات أو أضرارًا طويلة الأمد، كما أن معظم المنتجات تحتوي على نسب مرتفعة من النيكوتين الذي يعد من أكثر المواد المسببة للإدمان.وتشير الدراسات إلى أن النيكوتين يؤثر في الدماغ، خاصة لدى المراهقين، إذ قد يغير نمو المناطق المسؤولة عن التركيز والذاكرة واتخاذ القرار، كما يزيد من احتمالات الإدمان على مواد أخرى مستقبلًا. أما لدى البالغين، فإنه يرفع معدل ضربات القلب وضغط الدم، ويزيد العبء على الجهاز القلبي الوعائي.

أما الأمراض والمضاعفات المرتبطة باستخدام السجائر الإلكترونية فتشمل التهاب الشعب الهوائية المزمن، وتراجع وظائف الرئة، وزيادة احتمالات الإصابة بالربو أو تفاقم أعراضه، وتهيج الحلق والفم، والتهابات اللثة، بالإضافة إلى أمراض القلب والأوعية الدموية. 

كما سجلت عدة دول حالات إصابة بمرض يعرف باسم إصابة الرئة المرتبطة باستخدام السجائر الإلكترونية (EVALI)، وهو التهاب رئوي حاد قد يؤدي في بعض الحالات إلى فشل تنفسي، وقد ارتبطت معظم الحالات باستخدام سوائل غير نظامية أو تحتوي على إضافات ضارة.

كما لا تخلو هذه الأجهزة من مخاطر تقنية، فقد سجلت حالات انفجار لبطاريات الليثيوم داخل بعض السجائر الإلكترونية، مما أدى إلى حروق وإصابات خطيرة، وإن كانت هذه الحوادث نادرة مقارنة بعدد المستخدمين.ويبقى السؤال الأكثر شيوعًا: هل السجائر الإلكترونية بديل صحي للسجائر التقليدية؟

الإجابة العلمية الحالية هي أنها قد تكون أقل ضررًا من السجائر التقليدية بالنسبة للمدخن الذي يستبدلها بالكامل، لكنها ليست آمنة، ولا يُنصح باستخدامها لغير المدخنين أو الشباب. 

كما أن فعاليتها في الإقلاع عن التدخين تختلف من شخص إلى آخر، وتكون أفضل عندما تستخدم ضمن برنامج علاجي وتحت إشراف طبي، وليس باعتبارها منتجًا ترفيهيًا.

وقد حذرت العديد من الهيئات الصحية من أن كثيرًا من المستخدمين لا يتوقفون عن السجائر العادية، بل يجمعون بين النوعين، وهو ما يعرف بـ"الاستخدام المزدوج"، مما قد يزيد التعرض للمواد الضارة بدلًا من تقليله.وعلى مستوى الاستهلاك العالمي، تشير الإحصاءات إلى أن الولايات المتحدة تعد من أكبر أسواق السجائر الإلكترونية في العالم، تليها المملكة المتحدة، ثم فرنسا وألمانيا وكندا، إضافة إلى كوريا الجنوبية وروسيا والصين، التي تعد أكبر منتج لهذه الأجهزة عالميًا. كما شهدت دول الخليج العربي خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في استخدامها، خاصة بين فئة الشباب.

ورغم أن بعض الدول تسمح ببيع السجائر الإلكترونية مع فرض قيود على العمر والإعلانات، فإن دولًا أخرى اتخذت موقفًا أكثر تشددًا، فحظرت بيعها أو استيرادها بالكامل، خوفًا من انتشارها بين المراهقين أو بسبب عدم وضوح آثارها الصحية بعيدة المدى.في النهاية، يرى الأطباء أن أفضل وسيلة للحفاظ على الصحة ليست استبدال نوع من التدخين بآخر، بل التخلص من إدمان النيكوتين نهائيًا. 

فالسجائر الإلكترونية قد تقلل بعض المخاطر مقارنة بالتدخين التقليدي في ظروف معينة، لكنها لا تلغيها، وما زالت الأبحاث مستمرة للكشف عن آثار استخدامها على المدى الطويل. 

ولذلك فإن وصفها بأنها "بديل آمن" يعد وصفًا غير دقيق علميًا، بينما يبقى الامتناع عن جميع منتجات التبغ والنيكوتين الخيار الأكثر أمانًا لصحة الإنسان.