
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
هناك أشياء لا تحدث في اللحظة التي نعيشها، بل نكتشف أنها حدثت بعد أن تصبح وراءنا. نلتفت ذات يوم الى الطريق الذي قطعناه، فنفاجأ بأننا لم نعد الشخص الذي بدأه. لا نعرف متى غادرت الطفولة، ولا متى أصبحت بعض الوجوه ذكرى، ولا متى تحوّلت أحلام كانت تملأ العالم في أعيننا الى صفحات بعيدة في كتاب العمر. كأن العبور لا يمرّ أمامنا، بل يمرّ بنا.
وهذه هي المفارقة الكبرى في وجود الإنسان: أنه يعيش التحوّلات كلّها، لكنّه لا يرى التحوّل نفسه، بل يرى آثره بعد أن يكتمل، كما يرى المسافر ضفّة النهر التي غادرها بعد أن يصبح في الضفّة الأخرى.
فمتى يعبر الإنسان حقّاٍ؟ هل يعبر عندما يخطو الخطوة الأولى؟ أم عندما يكتشف بعد زمن أنه لم يعد قادراً على العودة الى المكان الذي بدأ منه؟ ربما لا يكون العبور لحظةً محددة، بل صمتاً طويلاً يحدث في الخفاء. شيء يتغيّر في الداخل دون إعلان، فكرة تسقط دون ضجيج، رؤية تتفتح بعد سنوات من الإغلاق، قلب يترك وراءه ما كان يظنه جزءاً لا ينفصل عنه.
ونحن، لا ننتبه الى معظم المعابر التي نجتازها. نغادر مراحلنا كما يغادر الضوء الغرفة؛ لا نسمع له صوتاً، ولا نرى لحظة الرحيل، لكننا نكتشف بعد ذلك أن شيئاً قد تغيّر.
الطفل لا يعرف أنه يعبر الى الشباب، والشاب لا يشعر بأن سنواته الأولى تبتعد عنه، والإنسان لا يدرك أن بعض اللحظات التي يعيشها الآن ستكون آخر مرة يعيشها بهذه الصورة.
فلو عرف الإنسان لحظة العبور وهو يعبرها، ربما فقد القدرة على العيش. لآن كلّ لقاء سيصبح وداعاً محتملاً، وكل بداية ستُثْقِلُها معرفة النهاية، وكل لحظة جميلة ستتحول من حضور الى خوف من فقدانها. وكل ذكرى مؤلمة ستتحوّل الى شوكة تدمي الروح. وربما لهذا السبب يخفي الوجو
د عن الإنسان حقيقة العبور، ويمنحه نعمة الغفلة المؤقتة، لكي يعيش اللحظة لا كذكرى قادمة، بل كحياة كاملة. لكن الزمن لا يبقى صامتاً الى الأبد. ففي لحظة تأمل مفاجئة، قد يقف الإنسان أمام مرآة نفسه، وبنظر الى الطريق خلفه، فتأتيه تلك اللحظة الغريبة التي تختلط فيها الدهشة بالحزن: كيف مرّ كل هذا؟ متى تغيّرت الأشياء؟ متى أصبح ما كان حاضراً جزءاً من الماضي؟ إنها لحظة اكتشاف العبور وليست لحظة الرحيل، بل لحظة الوعي بأن الرحيل قد حدث.
عندها لا يكتشف الإنسان أنه فقد شيئاً فقط، بل يكتشف أنه أصبح شخصاً آخر. فالعبور لا يأخذ منا الأشياء وحدها؛ إنه يأخذ منا النُسَخ القديمة من أنفسنا. ويترك خلفه إنساناً كان يظن نفسه أنه سيبقى كما هو، ويضع أمامه إنساناً جديداً لم يكن يعرف أنه سيصبحه.
ولهذا فإن الإنسان ليس مجموع ما عاشه فقط، بل مجموع المعابر التي لم ينتبه الى اجتيازها: كلّ تجربة كانت جسراً، وكلّ فقدٍ كان ضفة غادرها، وكلّ معرفة جديدة كانت انتقالاً الى أرضٍ لم يكن يعرفها.
ومع ذلك، يبقى الإنسان متعلِّقاً بالضفّة القديمة. يحاول أحياناً أن يعود الى مكان لم يعد موجوداً، أو الى زمن لم يعد يملك الطريق إليه. لكنه ينسى أن الضفة التي يشتاق إليها لم تكن مجرّد مكان، بل كانت هو نفسه كما كان، وأنه هو نفسه كان عابراً ايضاً. فلا شيء يعود كما كان، لأن العبور لا يغيّر الأشياء حولنا فقط، بل يغيّر علاقتنا بها: البيت الذي كان عالماً كاملاً يصبح ذكرى محاطة بحلقة من النسيان، والطريق الذي كنا نراه طويلاً يصبح مسافة قصيرة محفوظة في احدى خلايا الذاكرة، والأشخاص الذين ملأوا أيامنا يصبحون أصواتا داخلية دون وجوه.
وكأن ما يغادرنا لا يختفي تماماً، بل يصبح خيالاً لصورٍ انتقلت من الواقع الخارجي الى ظلالٍ داخلية. وهنا يظهر المعنى العميق للعبور: أن الإنسان لا يفقد كلّ ما يرحل عنه، بل يحمل منه شيئاً لا يُرى. فالنهر حين يعبر الأرض لا يترك وراءه ماءه فقط، بل يترك أثره في المكان الذي مرّ به.
وكذلك الإنسان، قد يمضي، لكن كلّ معبرٍ عبره يترك فيه علامة، وكلّ ضفّة غادرها تضيف إليه شيئاً من شكلها. وفي النهاية، قد لا تكون مأساة الإنسان أنه عابر، بل أنه لا يعرف أنه يعبر إلا بعد أن يُصبِح ما عبره جزءاً من حكايته.
وكما يقول إيليا أبو ماضي:
قد مشيتُ الدهر يقظاناً وغافٍ
وعَبَرْتُ البحرَ في صَمْتٍ وخافٍ
كلّما أبصرتُ دَرْباً قلتُ كافٍ
فَيُناديني طريقي: لَستَ تدري