النقرس… من «داء الملوك» إلى مرض يمكن السيطرة عليه

يُعرف داء النقرس بأنه أحد أشكال التهاب المفاصل، وينتج عندما ترتفع مستويات حمض اليوريك (اليورات) في الجسم لفترة طويلة، فتتكوّن بلورات دقيقة على شكل إبر داخل المفاصل وحولها، مسببة نوبات مفاجئة من الألم الشديد والاحمرار والتورم والحرارة. وغالبًا ما يبدأ الهجوم في مفصل إصبع القدم الكبير، لكنه قد يصيب الكاحل أو الركبة أو مفاصل أخرى. واللافت أن ارتفاع حمض اليوريك في الدم لا يعني بالضرورة أن الشخص مصاب بالنقرس؛ فكثير من الأشخاص لديهم ارتفاع في اليورات من دون أن تتشكل لديهم أعراض أو بلورات تسبب التهاب المفاصل.

مرض عرفه الإنسان منذ الحضارات القديمة

النقرس ليس مرضًا حديثًا. فقد عُرفت أعراض ما يسمى النقرس في إصبع القدم (Podagra) منذ مصر القديمة، وتشير مراجعات تاريخية إلى وجود وصف له يعود إلى نحو 2640 قبل الميلاد. كما وصف الطبيب اليوناني أبقراط المرض في القرن الخامس قبل الميلاد، وربطه بألم المفاصل واضطراب الحركة. ولقرون طويلة، ارتبط النقرس في المخيلة الشعبية بالإفراط في الطعام والشراب، حتى اكتسب لقب «داء الملوك»، لأن الأطعمة الغنية واللحوم والكحول كانت تاريخيًا أكثر توافرًا لدى الطبقات الميسورة. لكن الطب الحديث يوضح أن النقرس أكثر تعقيدًا، وأن الوراثة ووظائف الكلى وبعض الأدوية والحالة الصحية والنظام الغذائي كلها قد تؤثر في خطر الإصابة.

كيف يحدث النقرس؟

ينتج حمض اليوريك عندما يقوم الجسم بتفكيك مواد تسمى البيورينات، وهي موجودة طبيعيًا في خلايا الجسم، كما توجد في بعض الأطعمة.في الحالة الطبيعية، تتخلص الكليتان من معظم حمض اليوريك عن طريق البول. لكن عندما ينتج الجسم كمية أكبر مما يستطيع التخلص منه، أو عندما تقل قدرة الكلى على طرحه، يرتفع مستواه في الدم.ومع مرور الوقت يمكن أن تتشكل بلورات اليورات في المفصل. وعندما يستجيب جهاز المناعة لهذه البلورات، يبدأ الالتهاب وتظهر نوبة النقرس الحادة. وقد تكون النوبة شديدة بصورة مفاجئة، حتى إن لمس المفصل أو احتكاكه بغطاء السرير قد يكون مؤلمًا. وعادة تستمر النوبة عدة أيام إلى أسبوع أو أسبوعين، ثم تهدأ، لكن المرض يمكن أن يعود بصورة متكررة إذا لم تتم معالجة ارتفاع اليورات.

متى اكتشف العلماء سبب النقرس؟

حدث تطور مهم في فهم المرض خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.ففي عام 1679 وصف العالم الهولندي أنطوني فان ليفينهوك البلورات الموجودة في ترسبات النقرس تحت المجهر، وإن لم يكن يعرف تركيبها الكيميائي في ذلك الوقت.وفي عام 1776 تم التعرف إلى حمض اليوريك كمادة كيميائية، ثم أثبت الكيميائي الإنجليزي ويليام وولاستون عام 1797 وجود اليورات في ترسب نقرسي من أذنه هو شخصيًا، وهو ما ساعد لاحقًا في فهم العلاقة بين حمض اليوريك والنقرس. وهكذا انتقل الطب تدريجيًا من تفسير النقرس باعتباره نتيجة لـ«اختلال الأخلاط» أو الإفراط في الطعام إلى فهم كيميائي وبيولوجي للمرض.

ومتى ظهر العلاج؟

هنا يجب التفريق بين العلاج القديم للنوبة وبين الأدوية الحديثة التي تخفض حمض اليوريك وتستهدف سبب المرض.من أقدم المواد التي استخدمت ضد نوبات النقرس الكولشيسين (Colchicine)، وهو مركب مستخلص من نبات اللحلاح Colchicum autumnale. وتشير المصادر التاريخية إلى استخدامه في العصور القديمة، ثم نُسب استخدامه بصورة أكثر تحديدًا لعلاج النقرس إلى الطبيب البيزنطي ألكسندر التراليسي في القرن السادس الميلادي. وأعيد إدخاله إلى الطب الأوروبي في القرن الثامن عشر، ثم عُزلت مادته الفعالة في القرن التاسع عشر. لكن التحول الكبير جاء في القرن العشرين.

عام 1966… نقطة تحول في علاج النقرس

ظهر الألوبورينول (Allopurinol) كأحد أهم التطورات في تاريخ علاج النقرس. وهو دواء يعمل على تثبيط إنزيم زانثين أوكسيداز (Xanthine oxidase)، وبالتالي يقلل تكوين حمض اليوريك في الجسم.حصل الألوبورينول على الموافقة الأولية في الولايات المتحدة عام 1966، وأصبح منذ ذلك الحين أحد أهم الأدوية المستخدمة لخفض مستويات اليورات لدى المصابين بالنقرس. وكان هذا التطور مهمًا لأنه لم يكن يهدف فقط إلى تخفيف الألم أثناء النوبة، بل إلى خفض حمض اليوريك على المدى الطويل، وبالتالي تقليل تكوّن البلورات والنوبات المستقبلية ومضاعفات المرض.وفي عام 1988 حصل العالمان غيرترود إليون وجورج هيتشنغز، مع جورج هيتشنغز، على جائزة نوبل في الطب عن أعمالهما في تطوير عدة أدوية، وكان الألوبورينول من أبرز الأدوية المرتبطة بهذا المسار البحثي.

هل أصبح النقرس مرضًا قابلًا للعلاج؟

نعم، النقرس اليوم من أكثر أشكال التهاب المفاصل قابلية للسيطرة عليه. لكن من الأدق القول إن العلاج يسيطر على المرض ويمنع نوباته ومضاعفاته، وليس أن هناك دواءً واحدًا «يقضي عليه نهائيًا» عند الجميع.وتشمل معالجة النوبة الحادة أدوية مضادة للالتهاب، أو الكولشيسين، أو الكورتيكوستيرويدات بحسب حالة المريض. أما العلاج طويل الأمد فيهدف إلى خفض مستوى اليورات، ويمكن أن يشمل مثبطات إنزيم زانثين أوكسيداز مثل الألوبورينول، أو أدوية أخرى بحسب الحالة. كما يمكن لتغييرات نمط الحياة أن تساعد، ومنها المحافظة على وزن صحي وتقليل الكحول وبعض الأطعمة الغنية بالبيورينات، لكن النظام الغذائي وحده لا يكفي دائمًا للسيطرة على النقرس لدى الأشخاص الذين يحتاجون إلى علاج دوائي.

قد يمر المريض بفترات طويلة من دون أعراض، فيعتقد أن المرض اختفى. لكن إذا بقي مستوى اليورات مرتفعًا، يمكن أن تستمر البلورات في التراكم.ومع مرور السنوات قد تتشكل العُقيدات النقرسية (Tophi)، وهي تجمعات من بلورات اليورات يمكن أن تظهر تحت الجلد وحول المفاصل، وقد تؤدي في الحالات غير المعالجة إلى تلف المفاصل. كما يمكن أن يرتبط النقرس بمشكلات مثل حصى الكلى وأمراض الكلى وبعض الحالات الصحية الأخرى.

تحكي قصة النقرس جانبًا مهمًا من تاريخ الطب. فالمرض الذي حيّر الأطباء لآلاف السنين، ووصفه أبقراط وشاهده العلماء تحت المجهر، أصبح اليوم مفهوم الآلية إلى حد كبير، وتتوفر له أدوية قادرة على خفض حمض اليوريك والحد من النوبات ومضاعفاتها.ومن الكولشيسين القديم إلى الألوبورينول الحديث، تطور علاج النقرس من محاولة إخماد الألم بعد حدوثه إلى محاولة السيطرة على السبب البيولوجي الذي يقف وراء تكوّن البلورات.

وهكذا لم يعد النقرس مجرد «مرض الملوك» كما كان يُسمى قديمًا، بل أصبح مرضًا يمكن تشخيصه وعلاجه والسيطرة عليه بدرجة كبيرة عندما يُكتشف ويُتابع بصورة صحيحة.