بدائع خلق الله وقدرة الإنسان على التكيُّف- إيمان أبو شاهين يوسف

الكاتبة و الباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف

حين نتأمل الأرض، لا نرى مجرّد كوكب يحمل الحياة، بل نرى لوحة هائلة من المتناقضات؛ قمما شاهقة تكاد تلامس السماء، وصحاري تحترق تحت لهب الشمس، وغابات لا ينفذ إليها الضوء إلاّ بصعوبة، وسهولاً جليدية تمتد الى ما لا نهاية، وجزراً بركانية تقف وحيدة في قلب المحيط، ومدناً قامت فوق الماء أو اختبأت بين الصخور. والعجيب أن الإنسان لم يكتف بمشاهدة هذه العوالم ، بل جعل منها أوطاناً نابضة بالحياة، وكأن إرادة البقاء كانت دائماً أقوى من قسوة المكان. 

إن تنوع البيئات ليس مجرّد اختلاف في الجغرافيا، بل هو أحد أعظم مظاهر الإبداع في الخلق. فكلّ بيئة تمتلك قوانينها الخاصة، ولكلّ قانون تحدياته، غير أن الإنسان لم يولد ليستسلم لها، بل ُزوِِّد َبعقلٍ يمكِّنه من فهمها. ثمّ إعادة صياغة أسلوب حياته بما ينسجم معها. في أعالي جبال الأنديز في بيرو، ترتفع مدينة لا رينكونادا الى أكثر من خمسة ألاف متر فوق سطح البحر، حتى يكاد الهواء يفقد قدرته على حمل الأوكسجين. 

ومع ذلك يعيش فيها عشرات الآلاف من البشر يعملون في التعدين، ويواصلون حياتهم اليومية في ظروف يعجز كثير من الزائرين عن احتمالها لساعات قليلة. وعلى الطرف الآخر من العالم، في أرخبيل سفاليارد، تقف مدينة لونغييربين داخل الدائرة القطبية الشمالية، حيث يمتد الليل لأشهر في الشتاء ويستمر النهار بلا غروب في الصيف، وتنخفض درجات الحرارة الى مستويات قاسية. ورغم ذلك، بنى الإنسان هناك مجتمعاً متكاملاً يضم المدارس والجامعات والخدمات، وكأن الحياة تعلّمت أن تزدهر حتى في قلب الجليد. 

أمّا في جبال الهيمالايا، فتقع قرى مثل كبير على ارتفاع يزيد على أربعة آلاف متر، تحاصرها الثلوج أشهراً طويلة، ويصعب الوصول إليها عبر طرق جبلية وعرة. ومع ذلك لا تزال عامرة بسكانها الذين اعتادوا العيش في بيئة يراها غيرهم نهايةً للطريق، بينما هم يرونها بداية للحياة. 

وفي صحراء الربع الخالي والصحراء الكبرى، يقف الإنسان أمام تحدٍ مختلف؛ حرارة خانقة، ومياه شحيحة، وعواصف رملية لا تهدأ. لكن القبائل البدوية، مثل الطوارق، استطاعت أن تحوِّل الصحراء الى وطن، وأن تجعل من النجوم خرائط، ومن الجَمَل وسيلة لعبور آلاف الكيلومترات، ومن المعرفة المتوارثة سرّاً للبقاء. أما في أعماق جراند كانيون في الولايات المتحدة الأمريكية، فتقع قرية سوباي، وهي واحدة من أكثر القرى عزلة في العالم؛ فلا تصل إليها السيارات إطلاقاً، بل يتم الوصول إليها سيراً على الأقدام أو على ظهر الخيل أو بالمروحيات. 

ورغم هذه العزلة، ما زالت الحياة تنبض فيها، ويواصل أهلها بناء مجتمعهم في قلب الوادي السحيق. وفي قلب المحيط الهادئ، تقوم جزيرة أوغاشيما اليابانية داخل فوهة بركان نشِط، ولا يمكن الوصول إليها إلا عندما تسمح الأمواج والرياح بذلك. ورغم أن البركان الذي منحها الحياة قد يهددها في أي لحظة، فإن سكانها اختاروا البقاء متصالحين مع الطبيعة لا في صراع دائم معها. 

أما في أقصى شمال سيبيريا، فتقع قرية أويمياكون، التي تُعرَف بأنها من أبرد المناطق المأهولة على سطح الأرض، حيث تنخفِض الحرارة الى ما دون ستين درجة مئوية تحت الصفر. ومع ذلك، لم يتخلَّ الإنسان عنها، بل تعلَّم كيف يبني مساكن تحفظ الدفء، ويُطوِّر نمطاً من الحياة يناسب هذا العالم المتجمِّد. ولم يكتف الإنسان بالتكيُّف مع الجبال والصحارى والجليد، بل تحدّى الماء نفسه. ففي البندقية الإيطالية بُنيت مدينة كاملة فوق شبكة من القنوات، وأصبحت القوارب وسيلة التنقل اليومية بدلاً من السيارات. 

وفي هولندا لم ينتظر الإنسان أن تمنحه الطبيعة أرضاً، بل انتزع أجزاء واسعة من البحر، وأقام عليها مدناً وحقولاً، في واحدة من أعظم قصص التكيُّف والهندسة في التاريخ. كل هذه الأمثلة تُشير الى حقيقة واحدة؛ فالإنسان لم ينتصر على الطبيعة بالقوّة، بل بالفهم. 

لم يكن هدفه أن يهزِم الجبل أو الصحراء أو البحر أو الجليد، بل أن يكتشِف القوانين التي تحكمها، ثمّ يجعل منها شريكاً في بقائه. وهنا تتجلّى إحدى أعظم بدائع الخلق؛ فتنوع الأرض لم يكن عقبة أمام الإنسان، بل كان مدرسة كوَّنت حضارات مختلفة، وثقافات متعدِّدة، وأساليب حياة لا حصر لها. 

ولو كانت الأرض كلُّها بيئة واحدة، لما ظهرت هذه الثروة الإنسانية الهائلة، ولما تجلَّت قدرة العقل على الإبداع. إن اختلاف البيئات لا يعني اختلاف قيمة الإنسان، بل اختلاف الطريق إليها. فالحياة لا تزدهر حيث تختفي التحديات، وإنما حيث يمتلك الإنسان الحكمة الكافية لفهمها، والمرونة الكافية للتكيُّف معها. ولعلَّ أعظم ما تكشفه هذه الرحلة عبر الأرض هو أن الإنسان لا يعيش لأنه وجد المكان المثالي، بل لأنه استطاع أن يحوِّل أصعب الأماكن الى أوطان. 

وهذه القدرة على التكيُّف ليست انتصاراً على الطبيعة، بل شهادة على أن خالق الطبيعة وخالق الإنسان قد أودع في كلٍّ منهما من القوانين ما يجعل الحياة ممكنة كلّما أحسن الإنسان فهمها والتوافق معها. 

وما ينطبق على علاقة الإنسان بالطبيعة هو إيضا صحيح بالنسبة لعلاقة الإنسان بالإنسان؛ فمتى تعلّم الإنسان أن يحفظ في الآخر المساحة التي يريد أن يحفظها لنفسه، وأن يرى الإختلاف تنوعاً لا تهديداً، وأن يمارس القوّة باعتبارها قدرة على الحماية لا أداة للهيمنة، يصبح احترام الآخر امتداداً طبيعياً لاحترام الوجود كلّه.