بين حق الطفل في المعرفة وضرورة حمايته من المخاطر الرقمية

لم يعد الإنترنت مساحة منفصلة عن حياة الأطفال، بل أصبح جزءًا أساسيًا من يومهم؛ فمن خلال الهاتف أو الحاسوب أو الجهاز اللوحي يتعلم الطفل، ويلعب، ويتواصل مع أصدقائه، ويكتشف العالم، ويعبّر عن أفكاره. لكن هذا الانفتاح الرقمي يحمل في الوقت نفسه مخاطر حقيقية، تبدأ من التنمر الإلكتروني والمحتوى غير الملائم للعمر، ولا تنتهي عند الاستغلال والعنف الرقمي وانتهاك الخصوصية.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يزداد إلحاحًا: هل يجب تشديد الرقابة على المحتوى الرقمي لحماية الأطفال، أم أن الرقابة المفرطة قد تتحول بدورها إلى تقييد لحق الطفل في المعرفة والتعبير؟

الإجابة تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد «نعم» أو «لا». فالمطلوب ليس إغلاق العالم الرقمي أمام الأطفال، وإنما بناء بيئة رقمية أكثر أمانًا، تكون فيها الحماية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمنصات الرقمية والأسرة والمدرسة والمجتمع.

الإنترنت… فرصة للتعلم وخطر محتمل

تشير اليونيسف إلى أن العالم الرقمي يوفر للأطفال فرصًا مهمة للتعلم واللعب والإبداع والتواصل والمشاركة، ولذلك فإن منع الأطفال من استخدام الإنترنت بصورة شاملة ليس حلًا كافيًا. 

وفي تقريرها الصادر عام 2025 حول الطفولة في العالم الرقمي، شددت المنظمة على ضرورة تحقيق توازن بين فوائد التكنولوجيا والمخاطر التي قد تنتج عن بعض الاستخدامات والمحتويات والتجارب الرقمية.فالطفل الذي يتعلم استخدام التكنولوجيا بطريقة سليمة اليوم، يكتسب مهارات ستصبح جزءًا أساسيًا من حياته التعليمية والمهنية في المستقبل. 

ولذلك فإن الهدف لا ينبغي أن يكون إبعاده عن العالم الرقمي، بل تعليمه كيف يعيش فيه بأمان ووعي.لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المنصات الرقمية إلى أبواب مفتوحة أمام محتويات لا تتناسب مع عمر الطفل أو قدرته على الفهم والتعامل معها.

المحتوى الضار ليس مجرد صورة عابرة

قد يتعرض الطفل أثناء تصفحه الإنترنت لمشاهد عنيفة، أو خطاب كراهية، أو تنمر، أو محتوى جنسي، أو معلومات مضللة، أو إعلانات تستغل نقاط ضعفه، أو مواد تشجع على سلوكيات مؤذية.

وتحذر اليونيسف من أن بعض أنواع المحتوى الضار، ومنها المواد الإباحية والعنف والاستغلال الجنسي والتنمر الإلكتروني، يمكن أن تكون لها آثار خطيرة على سلامة الأطفال ورفاههم. كما تدعو إلى أن تكون عمليات ضبط المحتوى قانونية وضرورية ومتناسبة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الطفل الأخرى.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الرقابة الوقائية والرقابة الشاملة. فالرقابة الوقائية تهدف إلى منع الطفل من الوصول إلى محتوى يشكل خطرًا واضحًا عليه، بينما الرقابة الشاملة قد تمنعه أيضًا من الوصول إلى معلومات تعليمية وثقافية وصحية مشروعة.

هل يكفي تحديد عمر المستخدم؟

في السنوات الأخيرة، اتجه النقاش العالمي إلى فكرة فرض قيود عمرية على استخدام بعض منصات التواصل الاجتماعي. لكن اليونيسف حذرت في ديسمبر 2025 من أن القيود العمرية وحدها لن تكون كافية لحماية الأطفال، وقد تدفع بعضهم إلى استخدام منصات أقل تنظيمًا أو اللجوء إلى وسائل للالتفاف على القيود.

وأكدت المنظمة أن حماية الطفل تحتاج إلى منظومة أوسع تشمل تصميم المنصات بصورة أكثر أمانًا، وتحسين أدوات التحقق من العمر، وتشديد مراقبة المحتوى الضار، ومساءلة الشركات الرقمية، إضافة إلى دعم الأهل وتعزيز الثقافة الرقمية لدى الأطفال.

وهذا يعني أن المسؤولية لا يمكن أن تقع على الأهل وحدهم. فمن غير الواقعي أن نطلب من الأب أو الأم مراقبة كل خوارزمية وكل إعلان وكل محتوى يظهر أمام الطفل على مدار الساعة.

الخوارزميات… الطرف الذي لا يراه الطفل

المشكلة الجديدة لا تكمن فقط في المحتوى الذي يبحث عنه الطفل، وإنما أيضًا في المحتوى الذي تقترحه الخوارزميات عليه.فالمنصات تستطيع تحليل سلوك المستخدم واهتماماته، ثم تقديم محتويات متتابعة قد تؤثر في ما يراه ويفكر فيه. ولهذا أصبحت حماية الطفل قضية تتعلق أيضًا بتصميم المنصة نفسها، وليس فقط بسلوك المستخدم.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن البيئة الرقمية يمكن أن تؤثر في الصحة النفسية للأطفال والمراهقين بطرق معقدة؛ فالتكنولوجيا قد تحمل فوائد حقيقية، لكنها قد ترتبط أيضًا بمخاطر مثل التنمر الإلكتروني، والمحتوى المؤذي، وصور الجسد غير الواقعية، وبعض أشكال التسويق الضار. كما تدعو إلى سياسات أكثر وضوحًا ومساءلة أكبر للمنصات الرقمية.

الطفل له حق في الحماية… وله أيضًا حق في الخصوصية

من الأخطاء الشائعة أن تتحول حماية الطفل إلى مراقبة كاملة لكل تفاصيل حياته الرقمية.فالطفل، وخصوصًا مع تقدمه في العمر، لديه أيضًا حق في الخصوصية والتعبير والوصول إلى المعلومات. 

وقد أكدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل في تعليقها العام رقم 25 بشأن حقوق الطفل في البيئة الرقمية أن حماية الأطفال من المحتوى الضار يجب أن تتوازن مع حقوقهم في الخصوصية وحرية التعبير والوصول إلى المعلومات. 

كما شددت على أن إجراءات المراقبة الرقمية يجب ألا تكون عشوائية أو مفرطة.وهذا التوازن مهم جدًا؛ لأن الطفل الذي يشعر بأنه مراقب بصورة دائمة قد يتجه إلى إخفاء نشاطه الرقمي بدلًا من طلب المساعدة عندما يتعرض لمشكلة.

الأسرة ليست شرطة الإنترنت

الحوار يبقى من أهم وسائل الحماية.وتوصي اليونيسف لبنان الأهل بوضع قواعد واضحة للاستخدام، ومراجعة إعدادات الخصوصية، واستخدام أدوات الرقابة الأبوية المناسبة للعمر، وقضاء بعض الوقت مع الطفل في أثناء استخدام التطبيقات والمنصات، وتعليمه التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل أو المؤذي. كما تشدد على أهمية أن يعرف الطفل أنه يستطيع اللجوء إلى شخص بالغ موثوق عندما يشعر بالخوف أو الإحراج أو التهديد على الإنترنت.

والأهم أن تكون العلاقة بين الطفل وأسرته قائمة على الثقة. فبدل أن يكون السؤال دائمًا: «ماذا تفعل على هاتفك؟»، يمكن أن يصبح الحوار: «ماذا رأيت اليوم؟ وهل صادفك شيء أزعجك؟».هذه الطريقة تجعل الطفل شريكًا في عملية الحماية، لا مجرد شخص يخضع للمراقبة.

حتى صور الأطفال تحتاج إلى رقابة

الحماية الرقمية لا تتعلق فقط بما يشاهده الأطفال، وإنما أيضًا بما ينشره الكبار عنهم.فقد يتحول نشر صورة عائلية عادية إلى جزء من البصمة الرقمية للطفل، وقد تبقى الصورة أو المعلومات المتصلة بها متداولة لسنوات. 

وتحذر اليونيسف في لبنان من مخاطر ما يعرف بـ«Sharenting»، أي الإفراط في نشر صور ومعلومات الأطفال عبر وسائل التواصل، وتدعو إلى احترام خصوصيتهم وإشراكهم، عندما يكون ذلك ممكنًا، في القرارات المتعلقة بما يُنشر عنهم.ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية، لأن الصور الرقمية يمكن إعادة استخدامها أو تعديلها بطرق لم تكن متاحة في السابق.

المطلوب رقابة ذكية لا جدارًا إلكترونيًا

الحماية الحقيقية لا تتحقق بمنع الطفل من العالم الرقمي، ولا بتركه فيه من دون حماية.المطلوب هو رقابة ذكية ومتناسبة مع العمر والمخاطر، تعتمد على أدوات تقنية فعالة، وتشريعات واضحة، ومساءلة للمنصات، وآليات سهلة للإبلاغ عن المحتوى المؤذي، وتثقيف رقمي في المدارس، ودعم للأهل، مع احترام خصوصية الطفل وحقه في المعرفة والتعبير.

وتؤكد اليونيسف أن الشركات التقنية مطالبة بالاستثمار في مفهوم «السلامة منذ التصميم»، أي أن تكون حماية الأطفال جزءًا من تصميم المنتج والمنصة منذ البداية، وليس إجراءً يُضاف بعد وقوع الضرر.

طفل آمن… لا طفل معزول

التحدي الحقيقي أمام المجتمعات اليوم ليس كيف نُخرج الأطفال من العالم الرقمي، بل كيف نجعل هذا العالم أكثر أمانًا لهم.فالطفل يحتاج إلى الإنترنت ليتعلم ويكتشف ويبدع، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى حدود تحميه من المحتوى الذي لا يستطيع بعدُ فهم مخاطره. ويحتاج إلى أهل يوجهونه، ومدرسة تعلّمه التفكير النقدي، ودولة تضع القواعد، ومنصات تتحمل مسؤوليتها، وتقنيات مصممة لحمايته.

لذلك، فإن تشديد الرقابة يمكن أن يكون جزءًا من الحل، لكن ليس أي رقابة ولا بأي ثمن. المطلوب هو الانتقال من فكرة «منع الطفل من الوصول» إلى فكرة أكثر نضجًا: منع الضرر، مع إبقاء أبواب المعرفة والتعلم والتعبير مفتوحة أمامه.

فالأطفال لا يحتاجون إلى عالم رقمي مغلق، بل إلى عالم رقمي يعرف الكبار كيف يجعلونه أكثر أمانًا وعدلًا واحترامًا لحقوقهم.

المصادر الأساسية: اليونيسف، منظمة الصحة العالمية، ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل، مع الاستفادة من إرشادات اليونيسف في لبنان بشأن السلامة الرقمية