جوزفين كوكرين... عندما تحوّل غسل الأطباق إلى اختراع

قبل أن تصبح غسالة الأطباق جهازًا مألوفًا في المطابخ، كانت مهمة غسل الأطباق تعتمد بصورة كاملة تقريبًا على العمل اليدوي. وفي القرن التاسع عشر، ظهرت عدة محاولات لصناعة آلات تقوم بهذه المهمة، لكن كثيرًا منها كان غير عملي أو غير قادر على تنظيف الأطباق بكفاءة. 

في هذا السياق ظهرت جوزفين غاريس كوكرين (Josephine Garis Cochran)، وهي مخترعة ورائدة أعمال أميركية ارتبط اسمها بأول غسالة أطباق عملية وناجحة تجاريًا. 

وُلدت جوزفين غاريس في 8 آذار/مارس 1839 في مقاطعة أشتابولا بولاية أوهايو الأميركية، ونشأت في عائلة كان الابتكار والهندسة حاضرين فيها؛ فقد كان والدها مهندسًا مدنيًا، كما ارتبط تاريخ عائلتها باختراعات هندسية سابقة. 

وعلى الرغم من اهتمامها المبكر بالهندسة، لم تحصل على تدريب جامعي رسمي في هذا المجال، وهو أمر لم يكن متاحًا بسهولة للنساء في ذلك العصر. تزوجت جوزفين من ويليام كوكرين، وانتقلت إلى ولاية إلينوي. وهناك بدأت فكرة اختراعها تأخذ شكلًا أكثر وضوحًا. كانت تستخدم أواني وأطباقًا ثمينة، وكانت عملية غسلها يدويًا تحمل خطر تعرضها للكسر أو الخدش. 

كما كانت عملية غسل كميات كبيرة من الأطباق مرهقة وتحتاج إلى وقت طويل. ومن هنا بدأت تبحث عن آلة تستطيع تنظيف الأطباق بطريقة أكثر أمانًا وانتظامًا. لكن جوزفين لم تكتفِ بفكرة عامة، بل حاولت التفكير في المشكلة من الناحية الهندسية. 

فقد صممت نظامًا يعتمد على رفوف أو أقفاص مخصصة لتثبيت الأطباق في أماكنها، ثم دفع الماء الساخن والصابون بقوة نحوها. وكانت هذه النقطة من أهم ما ميز تصميمها عن محاولات سابقة اعتمدت على الفرك أو على طرق أقل فاعلية. وتصف سجلات الاختراع تصميمها بأنه من أوائل الأنظمة التي استخدمت ضغط الماء بدل أدوات الفرك لتنظيف الأطباق. 

وفي عام 1886 حصلت جوزفين على براءة اختراع أميركية لغسالة الأطباق، تحت اسمها آنذاك Josephine G. Cochran، وبرقم 355,139، بتاريخ 28 كانون الأول/ديسمبر 1886. وتظهر وثائق براءة الاختراع تصميمًا يعتمد على وضع الأطباق داخل حجرات أو رفوف مثبتة ضمن آلة، مع استخدام الماء والصابون لتنظيفها. لم يكن الحصول على البراءة نهاية القصة، بل كان بداية مرحلة أكثر صعوبة. فقد أدركت كوكرين أن اختراعها يحتاج إلى تصنيع وتسويق، ولذلك أسست شركة لتصنيع آلات غسل الأطباق. 

وبدل أن تقتصر فكرتها على الاستخدام المنزلي، توجهت في البداية إلى الفنادق والمطاعم والمستشفيات والكليات، حيث كانت الحاجة إلى غسل أعداد كبيرة من الأطباق أكثر وضوحًا. وفي عام 1893 حصلت جوزفين على فرصة مهمة لعرض اختراعها أمام جمهور واسع خلال المعرض الكولومبي العالمي في شيكاغو. وكانت الآلة من الاختراعات التي جذبت الانتباه، حتى إن نماذج من غسالاتها استُخدمت في عدد من المطاعم والأجنحة داخل المعرض. 

وفي نهاية المعرض حصل اختراعها على جائزة عن جودة البناء الميكانيكي والمتانة وملاءمة الاختراع لوظيفته. وكان نجاحها في المعرض نقطة تحول في مسيرتها التجارية، إذ ساعد على تعريف الفنادق والمطاعم والمؤسسات باختراعها. وتشير المصادر إلى أن النماذج الكبيرة من آلة كوكرين كانت قادرة على غسل وتجفيف أعداد كبيرة من الأطباق في وقت قصير، الأمر الذي جعلها مناسبة بصورة خاصة للمؤسسات التي تتعامل يوميًا مع كميات ضخمة من أدوات المائدة. ومع ذلك، لم تتحول غسالة الأطباق فورًا إلى جهاز منزلي واسع الانتشار. 

فقد كانت المنازل في ذلك الوقت تفتقر في كثير من الأحيان إلى كميات كافية من المياه الساخنة، كما كانت تكلفة الآلات مرتفعة، ولم تكن البنية التحتية المنزلية مهيأة دائمًا لاستخدامها. 

ولهذا بقيت غسالات الأطباق لسنوات طويلة أكثر انتشارًا في الفنادق والمطاعم والمؤسسات، قبل أن يبدأ استخدامها المنزلي بالاتساع بصورة كبيرة في منتصف القرن العشرين. 

وهنا تكمن أهمية قصة جوزفين كوكرين؛ فهي لم تخترع مجرد آلة لتوفير بعض الوقت في المطبخ، بل قدمت حلًا هندسيًا لمشكلة يومية، ثم تولت بنفسها تقريبًا مراحل تحويل الفكرة إلى منتج: من التصميم والحصول على البراءة إلى التصنيع والتسويق والبيع. وقد أظهرت مسيرتها أن نجاح الاختراع لا يتوقف على الفكرة وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى القدرة على تطويرها وإيجاد السوق المناسب لها. توفيت جوزفين كوكرين في شيكاغو عام 1913، ولم تعش لترى غسالة الأطباق وهي تتحول إلى جهاز منزلي شائع كما أصبحت لاحقًا. وبعد وفاتها استمرت شركتها وتطورت ملكيتها، ثم ارتبط إرث اختراعها لاحقًا بشركات أصبحت جزءًا من تاريخ صناعة الأجهزة المنزلية. 

وفي عام 2006 أُدخل اسمها بعد وفاتها إلى قاعة مشاهير المخترعين الوطنيين في الولايات المتحدة تقديرًا لاختراعها. 

وهكذا تحولت فكرة بدأت من مشكلة تبدو بسيطة 

ــ كيف يمكن غسل الأطباق بكفاءة ومن دون كسرها؟ ـ

ـ إلى اختراع غيّر شكل العمل المنزلي والمؤسسي. 

وبين آلة كوكرين المعدنية في أواخر القرن التاسع عشر وغسالات الأطباق الذكية الموجودة اليوم، امتد خط طويل من التطوير التقني، لكن المبدأ الأساسي بقي حاضرًا: تثبيت الأطباق، توجيه المياه إليها، وتنظيفها بطريقة أكثر كفاءة من الغسل اليدوي.

كوكرين... قصة امرأة لم تكتفِ بملاحظة مشكلة يومية، بل حولت تلك المشكلة إلى اختراع، ثم إلى صناعة، ثم إلى إرث تقني ما زال حاضرًا في حياتنا اليومية.