
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
في بستانٍ قديم لا يُعْرَف له بداية ولا يُرى له نهاية، كانت الأشجار لا تُحصى، لأن كلّ
شجرة كانت فِكرةً تتجسّد، وكلّ فكرة كانت ظلاًّ لحقيقة لا تُقال
وكان في قلب ذلك البستان نبعٌ ينام، يَمرُّ به الضوء كما تمرُّ الصلاة في قلب العارف، فيغسل الأشياء من ظاهرها دون أن يُفْسِد سرّها.
هناك، كان يعيش طائران لا يُشبِه أحدهما الآخر، لكن البستان لم يكن يرى فيهما تناقضاً، بل امتداداً لسرٍّ واحدٍ يتكثَّف في صورتين؛ أحدهما هدهد يقف على أعلى الأغصان، كأنه لا ينتمي الى الأرض إلاّ بقدر ما يحتاج ليعود الى السماء. كان صمته أطول من صوته، ونظره أبعد من جناحيه. كأن في عينيه سؤالاً لم يولد بعد، أو جواباً تأخر عن الظهور.
والآخر حسّون صغير، يهبط على الأغصان كما تهبط البهجة على القلب دون استئذان. كان يُغنِّي لا لأنه يملك سبباً، بل لأن الصمت بالنسبة له كان شكلاً من أشكال النقص في الوجود.
كانا يعيشان في البستان ذاته، لكن كلاًّ منهما كان يظنُّ أن الآخر يعيش في بستان مختلف.
في صباح مائل الى الضوء، قال الهدهد وهو يحدِّق في الأفق:
- يا طائر الأنغام... أما سئمت هذا الإنشغال الطويل باللحظة؟
ضحك الحسون، وقال وهو يقفز بين غصنين:
- وانت يا طائر الأسئلة... أما تعبت من تأجيل الحياة الى ما وراءها؟
سكت الهدهد قليلاً، ثمّ قال:
- أنا لا أؤجِّل الحياة، بل أبحث عن معناها.
فردَّ الحسون بهدوء يُشبِه النهر حين ينساب:
- وأنا لا أبحث عن معناها، أنا أتذوقها.
سكت البستان لحظة، كأن الأشجار توقفت عن النمو لتسترق السمع.
قال الهدهد:
- لكن المعنى هو الذي يمنح الأشياء اتجاهها.
أجاب الحسون:
- وما الحياة إن لم تُفهم؟
ابتسم الحسون وقال:
- تصبح كتاباً مغلقاً جميلاً، لا أحد يجرؤ على لمسه.
لم يغضب الهدهد لأن في كلام الحسون شيئاً لا يُقاوم. كأنه يأتي من جهة لا تصلها الحجة ولا المنطق. لكن شيئاً في داخله بقي متوتراً، كوتر ٍ يشدّ نفسه نحو سؤال لا يعرِف شكله بعد.
ومرَّت الأيام، وكان الهدهد يزداد صمتاً، كأن الأسئلة فيه تتكاثر حتى صارت أثقل من أن تُقال. وكان الحسون يزداد غناءً، كأن الفرح فيه لا يكتفي بنفسه، بل يفيض على كلّ ما من حوله. لكن الغريب أن كلاًّ منهما، رغم اختلافه، كان يشعر بنقص خفي لا يستطيع تسميته.
وفي مساء خافت، حين انكسر الضوء على أوراق الشجر كأنها مرايا صغيرة، جلس الحسون صامتاً للمرّة الأولى.
اقترب الهدهد منه وقال:
لما انت اليوم صامتٌ؟
قال الحسون:
لأن زهرة كنت أغني لها قد ذَبُلَت.
سكت الهدهد قليلاً، ثمّ قال:
وهل يتوقف الغناء لأن الزهرة قد ذَبُلَت؟
رفع الحسون رأسه وقال:
أنا لا أغني لأن الزهور تبقى خالدة...أن أغني لأن الزهور تفنى وتموت.
ارتبك الهدهد. لأن الفناء الذي كان يدرسه كفكرة، رآه الآن في صوت حيّ، لا يحتاج الى برهان.
في تلك الليلة، لم ينم الهدهد كما اعتاد. كان يرى أن كلّ ما جمعه من تأملات لا يمنعه من الألم، ولا يخفّف عنه ثقل الغياب.
وفجأة خطر له خاطر لم يجرؤ على قوله لنفسه من قبل:
" ربما ليست المشكلة في أنني لا أفهم الحياة...بل في أنني أنظر إليها من الخارج فقظ."
في الصباح التالي، قال للحسون: علّمني أن أغني.
ضحك الحسون بهدوء وقال: ولماذا تريد أن تُغنّي؟
قال الهدهد: لأنني تعبت من أن أفهم دون أن أعيش.
صمت الحسون طويلاً، ثمّ قال: الغناء لا يُعَلَّم يا صديقي...الغناء يُسمَع أولاٍ من الداخل.
أغلق الهدهد عينيه. ولأول مرّة لم يُحاول أن يُفَسّر، فقط أصغى.
وحدث شيء غريب:
لم يَعُد يَسْمَع صوت الحسون كصوت خارجي، بل كأنه موجوداً فيه منذ البداية ولم ينتبه له.
ومع مرور الزمان، بدأ البستان يتغيّر دون أن يتغيَّر. وصار الهدهد أقلّ قسوة على أسئلته، كأنه اكتشف أن السؤال يمكن ان يتحوّل الى جناح. وصار الحسون أقلّ اندفاعا، كأنه فهم أن الغناء حين لا يُصغي لنفسه يتحوّل الى ضجيج جميل.
وذات فجرٍ، حين كان الضباب ينسج العالم من جديد، قال الهدهد:
كنت أظن أن المعنى أعلى من الحياة.
قال الحسون:
وأنا كنت أظن أن الحياة تكفي دون معنى.
سكتا معاً. ثمّ قال الهدهد: والآن؟
ابتسم الحسون: الآن أظن أن المعنى هو الطريقة التي تتنفسُ بها الحياة.
في تلك اللحظة، لم يَعُد أحدهما يعرِف من بدأ التغيّر في الآخر.
هل الهدهد هو من اقترب من الغناء؟
أم الحسون هو من اقترب من الحكمة؟
أم البستان نفسه كان يُعيد تشكيلهما بصمت لا يُرى؟
وفي عمق البستان، كان النبع ما يزال يجري كما هو. لكن الماء هذه المرة لم يكن مجرد ماء. كان وكأنه عاشق يسترق السمع.
ومع طلوع الشمس، طار الهدهد قليلاً، وغنّى الحسون قليلاً، ولم يَعُد أحدهما يحاول ان يكون نقيض الآخر. لكن كليهما صار يعرف دون أن يقول:
"أن النور حين يُصغي...يبدأ بالغناء.
وأن الأنشودة حين تُصغي... تبدأ بالفهم."