حين لا يتكرر الإبداع:سرّ التفرد في الوجود -إيمان أبو شاهين يوسف

منذ أن بدأ الإنسان يرفع نظره الى السماء، ويتأمل الأرض التي يقف عليها، لم تكن دهشته الكبرى في اتساع الكون أو ضخامة الأشياء من حوله فحسب، بل في ذلك السؤال العميق الذي يرافق كل تأمل صادق: 

كيف استطاع هذا الوجود أن يحمل هذا العدد الهائل من صور الحياة، وأن يجمع بينها في انسجام عجيب دون أن يفقد وحدته؟ 

فالأرض التي تبدو لنا مكاناً واحداً ليست عالماً واحداً، بل عوالم لا تُحصى؛ صحراء لها قوانينها القاسية، وجبال لها أسرارها الباردة، وغابات تختزن بين أشجارها حياة لا تنتهي، وبحار تخفي في أعماقها كائنات تبدو كأنها خرجت من عالم الخيل. 

لكن أعظم ما يُلفِت النظر ليس كِثرة المخلوقات، ولا غرابة أشكالها، بل الطريقة التي تجلّت بها. 

فكلما اتسعت دائرة الإكتشاف، ازداد يقين الإنسان بأنه أمام إبداع لا يعرِف التكرار. وكأن الخلق لا يُعيد الفكرة نفسها، بل يفتح مع كل مخلوق صفحة جديدة من صفحات الحكمة. 

فلو كان الإبداع يقوم على استنساخ نموذج واحد، لامتلأ الكون بصور متشابهة لا تكاد تتميّز إحداها عن الأخرى. 

لكن الواقع يحدثنا عن شيء مختلف تماماً؛ فلكل جنس خصائصه، ولكل نوع سماته، ولكل مخلوق بناء متكامل يجعله قادراً على أداء دوره في العالم الذي وُجِد فيه. 

في قلب الصحراء حيث يبدو البقاء امتحاناً لا ينجح فيه إلا الأقوياء، يظهر الجمل. إنه ليس مجرد حيوان يتحمل العطش والحرارة، بل منظومة متكاملة من التناسق؛ عينان تحميهما الرموش من الرمال، وأقدام لا تغوص في الأرض، وجسد يستطيع أن يُدير موارده بكفاءة مُدهشة. 

لكنه لا يقهر الصحراء، بل ينسجم معها، حتى يبدو كأنه جزء من لغتها. وحين نترك الرمال، ونصعد الى القمم المغطاة بالثلوج، لا نجِد صورة أخرى للجمل، بل نَجِد عالماً جديداً تجسَّد في نِمر الثلوج. 

فكل شيء فيه يوافق بيئته؛ فراء كثيف، وكفوف عريضة، وذيل طويل يحفظ توازنه ودفأه. 

إنه ليس نُسخة عُدِّلت لتعيش في الجبال، بل ابداع مستقل يحمل بصمته الخاصة. وفي الغابات حيث تتشابك الأشجار حتى تكاد تُخفي السماء، تظهر صور أخرى من الإبداع.فهناك الترسير الذي يحمل عينين اكبر من رأسه، تساعدانه على الرؤية ليلاً، ونقار الخشب يمتلك منقاراً وبنية، تمكناه من طرق جذوع الأشجار دون أن يصيبهما ضَرر. 

ثم يلفت انتباهنا الكسلان، ذلك المخلوق الذي يظنه الناس رمزاً للضعف بسبب بطئه الشديد، لكنه في الحقيقة يكشف حكمة أخرى من حِكَم الخلق. 

فبطؤه ليس عجزاً، بل وسيلة دقيقة للبقاء؛ يستهلك أقلّ قدراً من الطاقة، وتكاد حركته غير الملحوظة تُخفيه عن المفترسات، حتى أن الطحالب التي تنمو على فرائه تُصبِح جزءاً من تمويهه الطبيعي. 

وهنا يُدرِك المتأمل أن الكمال ليس أن تمتلك جميع المخلوقات الصفات نفسها، بل أن يمتلك كل مخلوق الصفات التي يحتاج إليها ليعيش في عالمه. 

ثم نرفع أبصارنا الى السماء، فنكتشف أن الطيران نفسه لم يُكتَب بلغة واحدة. 

فالصقر الجوال جعل من السرعة عنواناً لوجوده، والبومة اختارت الصمت والدقة، والطنان الصغير يقف في الهواء بخفة تكاد تتحدى المألوف، بينما يحمل الطاووس على ريشه لوحة من الألوان لا تشبهها لوحة أخرى. 

ولِمَ لم تُمْنَح جميع الطيور سرعة الصقر؟ ولماذا لم تحمِل كلها جمال الطاووس أو قدرة البومة على الرؤية في الليل؟ لأن الإبداع لا يحتاج أن يُكرر نفسه. فالصقر لا ينقصه ما عند الطاووس، والطاووس لا يحتاج الى ما عند الصقر، لأن كمال كل مخلوق يكمن في خصوصيته، لا في تشابهه مع غيره. 

ثمَّ نغوص في أعماق البحار، حيث يبدأ عالم آخر من العجائب. هناك في ظلمات لا يصل إليها ضوء الشمس، تُضيء سمكة الصياد طريقها بمصباح تحمله معها، وكأن الحياة صنعت نورها حيث غاب عنها النور. 

ويُغيّر الأخطبوط ألوانه وهيئته حتى تُصبح جزءاً من البيئة التي يعيش فيها، بينما يبدو تنين البحر الورقي كأنه قطعة من الأعشاب البحرية من شِدَّة دقّة تمويهه. وحتى الكائنات المجهرية، مثل دب الماء، تحمل قدرات مدهشة على تحمّل أقسى الظروف، لتذكرنا بأن العظمة لا تُقاس بالحجم، بل بعمق الإبداع. وبعد هذه الرحلة بين الصحراء والجبال والغابات والسماء والبحار يفرض علينا سؤال نفسه: ما الذي يجمع كل هذه الصور المختلفة للحياة؟ 

إنه التوازن. 

فكل مخلوق يشغل مكانه في منظومة دقيقة، يؤدي وظيفة لا يؤديها غيره، ويسهم في حفظ شبكة الحياة التي يقوم عليها هذا العالم. فلا شيء خُلِقَ عبثاً، ولا كائن وُجِد ليكون تكراراً لغيره. 

إن الخالق لا يكرر إبداعه، لأن الإبداع الحقيقي لا يحتاج الى نسخ الصورة نفسها، بل الى إظهار وجوه جديدة من الحكمة. فكل مخلوق يأتي وكأنه يحمل توقيعاً خاصاً، وكل نوع يضيف الى لوحة الوجود لونا لم يكن موجودا قبله. وقد تتشابه بعض المخلوقات في صفات تجمعها، 

لكن التشابه لا يلغي الفرادة؛ فكما أن أفراد العائلة الواحدة يشتركون في ملامح تقرِّب بينهم، يبقى لكل واحد منهم وجهه الذي لا يتكرر، وصوته الذي يميزه، وبصمته التي لا يحملها سواه. 

وكذلك الأمر في عالم الأحياء؛ فقد تشترك الكائنات في بعض القوانين التي تنتظم بها الحياة، لكنها لا تفقد خصوصيتها، ولا تذوب هويتها في غيرها. 

وهكذا يجتمع في الخلق قانونان عظيمان: وحدة تمنح الوجود انسجامه، وتَفرُّد يمنح كل مخلوق هويته الخاصة. 

فليس التشابه نفيضاً للتميّز، كما أن الإختلاف ليس خروجا عن النظام، بل كلاهما وجهان لحكمة واحدة تتجلى في هذا الكون الفسيح. وربما اعظم درس تمنحه لنا عجائب المخلوقات أن الجمال لا يولد من التشابه، بل من التنوع المنسجم. 

فالكون لم يصبح عظيماً لأن كل شيء فيه نسخة عن شيء آخر، بل لأنه جمع بين ما لا يُحصى من الصور، ومنح كلّ صورة معناها، وكل مخلوق مكانه، وكل حياة رسالتها. 

ومن هنا، كلما تأمل الإنسان مخلوقاً جديداً، لا يرى مجرد كائن آخر أضيف الى سجل الحياة، بل يقرأ صفحة جديدة من كتاب لا تنفذ عجائبه، ويقترب خطوة أخرى من سرٍّ عظيم، هو ان القدرة التي أبدعت هذا الوجود لم تجعل التنوع تكراراً، بل جعلته لغة للإبداع، حتى بدا كل مخلوق وكأنه خُلِق لأول مرّة ، يحمل بصمته الخاصة، ويشهد بصمت على أن الإبداع الحقيقي لا يعيد نفسه، بل يبتكر في كل مرة صورة جديدة من صور الجمال والحكمة. 

وكأن الخالق بعد أن فتح أمام الإنسان كتاب الوجود بكل ما فيه من تنوع وفرادة يقول له: 

"إقرأ وربك الأكرم"