
الكاتبة والباحثة إيمان أبو شاهين يوسف
حين يهبط الليل على الأرض، وتخفت الأصوات، وتستريح الأشياء من ضجيج النهار، يخرج القمر من وراء ستار السماء كأنه موعد قديم بين النور والظلام. لا يأتي صاخباً، ولا يفرض حضوره على أحد؛ إنما يُرسل ضوءه برفق، حتى يُخيَّل إلينا أن السماء نفسها قد تنفست، وأن الليل صار أكثر حناناً. يمضي ضوء القمر في السماء هادئاً، فينادي النجوم من بعيد، فتبدو كأنها تستجيب لندائه، فتتناثر في الفضاء نقاطاً من الضوء، لكل واحدة حكاية لا نعرفها. ومن هناك،
من ذلك العلو البعيد، ينزل الجمال على الأرض في هيئة سكينة؛ فتنتعش الأشياء التي أخفاها النهار، وتستعيد الطبيعة وجهها الهادئ، ويشعر الإنسان ولو للحظات، أن العالم لم يُخلَق ليكون شيئاً قاسياً كما نظنه أحياناً. تحت ضوء القمر تبدو الأشجار مختلفة. لا تعود أغصاناً وأوراقاً فحسب، بل ظلالاً كبيرة تُشبِه أمهات وقفن في صمت يحرسن أطفالهن النائمين.
تتمايل الأغضان مع نسمة خفيفة، وكأنها تربُت على كتف الليل وتقول له: اطمئن، ما زال في الأرض ما يستحق أن يُحَب. وعلى سفوح الجبال، ينساب الضوء فوق الصخور والمرتفعات، فيحوِّلها الى مساكن واسعة للصمت، كأن الطبيعة قد أعدَّت في أعاليها بيوتاً لا يسكنها إلاّ الأحبة. هناك حيث لا يصل ضجيج المدن، يبدو القرب أكثر صدقاً، والكلمة أكثر دفئاً، والنظرة أعمق من أن تحتاج الى تفسير.
ثمّ يمضي القمر في طريقه، فيلقي ضياءه على البحار والسواقي. تتحرك المياه تحت النور كأنها قلوب كثيرة تنبض في وقت واحد؛ موجة تقترب، وأخرى تبتعد، وكل واحدة تحمل معها شيئاً من الفرح والإطمئنان. وفي مجرى الماء الصغير، تتكسر صورة القمر الى قطع من فضة، ثمّ تعود فتلتئم كلما هدأ الماء، وكأن القلب نفسه يتعلم من الطبيعة أن ما يتبعثر يمكن أن يعود الى وحدته.
أما الدروب، فتبدو في الليل أكثر لطفاً. يلمسها القمر بضوئه، فتتحول من طرق مجهولة الى مسارات هادئة لأبناء الحياة. لا يخبرنا الى أين تنتهي، لكنه يمنحنا ما يكفي من النورلنخطو الخطوة التالية. وربما كانت هذه إحدى أجمل هدايا القمر: أنه لا يكشف لنا الطريق كله، لكنه يجعلنا نطمئن الى السير فيه. وفي مكان ما، تحت شجرة أو على شرفة تطل على البحر أو بين بيوت القرية الهادئة، يجلس الأحبة.
لا يحتاجون الى الكثير. يكفيهم مجلس صغير، وليل واسع، وسماء مضيئة، وقمر لا يتدخل في حديثهم. يتبادلون الحكايات، ويستعيدون ذكريات بعيدة، ويتحدثون عن الذين غابوا، وعن الذين يحبونهم، وعن أشياء صغيرة لا تجد مكاناً لها في عجلة النهار. وتصبح الكلمات في ضوء القمر، أكثر صدقاً ودفئاً. فالليل حين يهدأ، يمنح القلب فرصة لأن يسمع نفسه ويتنفس.
وقد يجلس اثنان متجاورين، لا يقول أحدهما للآخر شيئاً مهمّاً، لكن الصمت بينهما ممتلئاً بالمحبة. نظرة قصيرة، ابتسامة هادئة، يد تقترب من يدٍ، وذكرى قديمة تمر في الحديث، فتشعر أن الحب ليس دائماً كلاماً كبيراً؛ أحياناً يكون مجرد أن يشعر إنسان بإن إنساناً أخر موجود الى جانبه، وأنه ليس وحيداً في هذا العالم.
ولعلّ ضوء القمر لا يضيء الأشياء وحدها؛ بل يوقظ في الإنسان أشياء كادت تنام تحت ثقل الحياة. يوقظ الطيبة التي أرهقها الناس، والوفاء الذي كاد ينسى طريقه، والحنين الى الذين أحببناهم ولم نستطع الإحتفاظ بهم، والرغبة على أن نكون أكثر رحمة بمن حولنا.
وكأن القمر، حين يمر على القلب، يقول له في هدوء: لا تدع قسوة الحياة تجعلك قاسياً. ولا تدع خيباتك تسرق منك قدرتك على الحب؟ ولا تدع ما فقدته يجعلك تنسى قيمة ما تبقى. فكل شيء تحت ضوء القمر يبدو وكأنه يستعيد معناه الأول: الشجرة تعود أمّاً، والجبل يعود مأوى، والماء يعود قلباً، والطريق يعود وعداً، والبيت يعود حصناً، والإنسان يعود إنساناً قبل أن تُثقِل روحه الحسابات والمصالح والخوف.
حتى الذين فرقتهم الأيام، قد يجمعهم القمر لحظة واحدة؛ ينظر أحدهم الى السماء في مكان بعيد، وينظر الآخر من مكان أبعد، ولا يعرف أحدهما أن الضوء نفسه يمرّ فوقهما. وكأن القمر يحمل بينهما رسالة لا تحتاج الى بريد: "ما دام في السماء نور، ففي القلب مكان لذكرى لا تموت. " وحين يقترب الليل من نهايته، ويبقى القمر معلقاً فوق العالم، نشعر أن شيئاً في داخلنا قد هدأ. ربما لم تتغير الحياة، ولم تختفِ مشكلاتها،
ولم تعد الأشياء التي فقدناها، لكن القلب أصبح أوسع قليلاً، وأكثر قدرة على الإحتمال. وهنا نفهم أن جمال القمر ليس في أنه يبدد الظلام كله؛ فهو لا يفعل. إنما جماله أنه يمنح الظلام قدراً من النور يكفي لكي لا نخاف منه. وربما لهذا أحببناه منذ أقدم الأزمنة؛ لأننا رأينا فيه شيئاً يشبهنا: نوراً هادئاً لا يصرخ، وحضوراً لا يطلب شيئاً، ووفاء يعود كل ليلة، مهما طال الغياب.
فإذا كان النهار يعلمنا كيف نعيش، فإن القمر يذكرنا لماذا ينبغي أن نبقى طيبين ونحن نعيش. وفي آخر الليل، حين تنام الأشجار، وتهدأ المياه، وتخفت الأصوات، ويبقى مجلس الأحبة مضاءً بذلك النور الفضي، يبدو العالم كله كأنه قلب كبير استعاد نبضه... قلب لا يزال يؤمن أن في الحياة متسعاً للحب، والحنان، والوفاء، ولذلك الدفء الصغير الذي يجعل الإنسان، مهما أثقلته الأيام، يرغب في أن يبقى إنساناً.