حين يُساء فهم الخوف - لينا صياغة

الكاتبة لينا صياغة
َ

ثمّةُ قلوبٌ لا تعرف كيف تحبّ من بعيد…
إذا أحبّت، وضعت من تحبّ في موضع الأمان داخلها، وظلّت تراقب تفاصيله الصغيرة، تقلق من عاداته، تخشى عليه من طريقٍ قد يؤذيه، ومن شيءٍ يراه عابرًا بينما تراه هي بدايةً لوجعٍ لا يُحمد عقباه.
لذلك تنصح.
لا لأنها ترى نفسها أرفع شأنًا، ولا لأنها تريد أن تمسك بخيوط حياة الآخرين، ولا لأنها تظن أنها أدرى منهم بكل شيء…
بل لأنها تحب.
والحب، حين يكون صادقًا، قد يتحول أحيانًا إلى خوفٍ لا يعرف صاحبه كيف يسكته.
فيقول:انتبه…خفّف…اترك ما يؤذيك…لا تجعل ما اعتدته أقوى منك…فأنا أخاف عليك.
كلماتٌ بسيطة، لكنها خرجت من مكانٍ عميق في القلب.
ثم تأتي المفاجأة…
أن يتحول خوفك عليهم إلى تهمة، وحرصك إلى تخلف، ونصيحتك إلى مادةٍ للسخرية، وأن تُرمى الكلمات في وجهك كالحجارة، ويُنتقص من عقلك وقدرك، وكأنك ارتكبت خطيئة لأنك خفت على من تحب.
في تلك اللحظة لا يؤلمك اختلافهم معك…
بل يؤلمك أنهم لم يروا الحب الذي كان مختبئًا خلف النصيحة.
لم يروا أنك قبل أن تتكلم، كنت قد خفت.
وأنك قبل أن تنصح، كنت قد فكرت طويلًا.
وأن كل كلمة قلتها لم تكن رغبةً في السيطرة، بل محاولةً صغيرة لإنقاذ شيءٍ عزيز عليك من أذى قد لا يستطيع الرجوع منه.
ما أقسى أن تمدّ يدك لتسند إنسانًا، فيفسّر يده الممدودة قيدًا.
وما أقسى أن تفتح قلبك خوفًا على أحد، فيفتح هو بابًا من الكلمات ليؤذيك.
هناك جراح لا تأتي من الأعداء.
الأعداء لا يملكون تلك القدرة أصلًا.
الجراح الأعمق تأتي ممن كنا نظن أنهم سيعرفون نوايانا حتى حين نعجز عن شرحها.
ومع ذلك…
لا تندم على خوفك.
لا تندم لأن قلبك كان حيًّا بما يكفي ليقلق على غيره.
ولا تخجل من نصيحة قلتها بدافع المحبة، حتى لو قوبلت بالسخرية.
فالناس لا يرون دائمًا ما وراء الكلام.
قد يسمعون صوتك، ولا يسمعون ارتجاف قلبك.
قد يرون إصرارك، ولا يرون الليالي التي حملت فيها قلقك وحدك.
قد يظنون أنك تتدخل في حياتهم، بينما الحقيقة أنك كنت تحاول أن تقول بلغةٍ عاجزة:
“لا أريد أن أخسركم.”
لكن ثمة لحظة يصل إليها القلب…
يدرك فيها أن المحبة لا تمنحنا حق تغيير الآخرين، وأن النصيحة مهما صدقت لا تستطيع أن تمشي بأقدامهم بدلًا منهم.
عندها نصمت.
لا لأننا لم نعد نهتم…
بل لأننا فهمنا أن لكل إنسان طريقه، وأن بعض الدروس لا يتعلمها المرء من كلام من يحب، بل من الحياة نفسها.
نتركهم لا غاضبين، بل متألمين.
نبتعد لا كراهيةً، بل حفاظًا على ما تبقّى في أرواحنا من سلام.
ونضع أيدينا على جراحنا، ونقول لله:
يا رب، أنت تعلم أنني لم أرد لهم إلا الخير.وتعلم أنني حين تكلمت، كان الحب يتكلم من خلالي.فاحفظهم حيث لا أستطيع،واهْدِهم حيث لا أستطيع،وإن كان لا بدّ أن يتعلموا بطريقتهم،فاجعل دروسهم رحيمةً بهم.
ثم نمضي…
وفي القلب شيءٌ انكسر، نعم.
لكن شيئًا آخر بقي شامخًا:
نقاء النيّة.
فليس مؤلمًا أن يرفضك من تحب…
المؤلم أن يسيء فهم محبتك.
ومع ذلك، يكفيك أنك حين وقفت أمامهم، لم يكن في قلبك رغبةٌ في كسرهم.
كنت فقط تخاف أن تكسرهم الحياة.
وهذا وحده…
يكفي لأن تنام ليلًا وقلبك مطمئنٌ إلى الله.
أما الذين لم يفهموا خوفك اليوم، فربما تفهمهم الأيام غدًا.
وربما لا تفهمهم أبدًا.
وفي الحالتين…
لا تجعل قسوتهم تفسد أجمل ما فيك: قلبًا ما زال يخاف على الآخرين، حتى بعد أن تعلّم كيف تؤلم المحبة.