
الدكتورة لور عبد الخالق الاعور
رئيسة لجنة الأدب الرقمي في الرابطة
العالمية للدفاع عن اللغة العربية
مشهد متكرر في مدارسنا ليس مجرد "تعب عابر"، بل هو ناقوس خطر يدق ليخبرنا عن ظاهرة الاحتراق الوظيفي التي تلتهم حيوية من نعتبرهم "مهندسي المستقبل". مشهد معلم في أروقة المدارس ينظر إلى فراغ لا نهاية له، أصابعه التي كانت ترسم الأحلام بعفوية الأطفال باتت تحمل جبلًا.
إنّه الاحتراق الوظيفي.
فما هو الاحتراق الوظيفي لدى المعلم؟
الاحتراق الوظيفي هو حالة من الإجهاد المزمن التي تنشأ عندما تتجاوز متطلبات العمل قدرات الفرد على التحمّل دون وجود دعم كافٍ أو تعويض معنوي. للمعلم خصوصية في هذه المعادلة، فعمله ليس مجرد نقل معلومات، بل هو عمل قلبي وعاطفي يستنزف الموارد النفسية يومياً.
وللاحتراق الوظيفي ثلاثة أبعاد، أوّلها الإرهاق العاطفي؛ شعور بالفراغ النفسي، كما لو أن البئر قد نضب.
ثانيًا، التبلّد العاطفي؛ تحول التفاعل مع الطلاب إلى روتين آلي خالٍ من الدفء. ثالثًا، تدني الإنجاز الذاتي؛ شعور بأن كل الجهد يذهب هباءً.
والوجه الآخر للعملة هو رفاهة المعلم.
ورفاهة المعلم ليست رفاهيّة، بل هي ضرورة تعليمية.
إنها الحالة النفسية والجسدية والاجتماعية التي تمكّن المعلم من العطاء المستدام.
لذا فإنّ العلاقة بين الرفاهة والاحتراق علاقة طردية عكسية واضحة، فكلما انخفضت الأولى، ارتفع الثاني، والعكس صحيح.
ومن الطبيعيّ أن نتساءل كيف يؤثر الاحتراق على المعلم والإنسان؟
تشير الدّراسات إلى تأثير ذلك على الفرد نفسياً ، فيشعر المعلم أو الإنسان بقلق مستمر، العجز، وأحياناً بالاكتئاب·كذلك هناك تأثير جسدي، يظهر في اضطرابات النوم، صداع متكرّر، وضعف المناعة.
ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على الصعيد المهني، ويتجلّى بتراجع جودة التدريس، انخفاض الإبداع، وزيادة الغياب وأخيرًا ينعكس كلّ ذلك عليه اجتماعيًا، فنراه في انسحاب من التفاعلات، وتوتر في العلاقات.
إن الاحتراق الوظيفي ينطبق على كلّ أفراد المجتمع ( الموظفين)، ولكن لماذا المعلمون في الخط الأمامي للاحتراق؟
الواقع هناك أسباب كثيرة تجعلهم يقفون في الصف الأمامي:
أوّلًا: تعدد الأدوار:
فهم ليسوا مدرسين فحسب، بل مرشدين وإداريين وأحياناً آباء بديلين.
ثانيًا:
التحديات السلوكية، التعامل مع أجيال متغيرة في عالم سريع التحول.
ثالثًا:
الإغراق الإداري، أوراق تتراكم فوق الأوراق، وتقارير تلتهم وقت التحضير.
رابعًا:
التقدير المجتمعي المتناقض بين خطاب التبجيل الشعبي وواقع التهميش المؤسسي.
وتشير الأرقام إلى أن 44% من المعلمين في التعليم الأساسي يعانون من الاحتراق الوظيفي بشكل متكرر.
الدراسات الحديثة (2023-2025) تكشف حقائق مقلقة:
هناك دراسة سعودية (2023) أظهرت أن دعم أولياء الأمور والكفاءة الذاتية للمعلم يقللان الاحتراق بنسبة ملحوظة.
كذلك دراسة الدعم الاجتماعي (2024) أكدت أن الشعور بالوحدة المهنية يزيد الاحتراق، بينما الدعم الجماعي يخففهكما أنّ أبحاث الصحة المهنية (2022) ربطت بين الاحتراق وأمراض جسدية حقيقية كاضطرابات المناعة والجهاز الهضمي.ومن الطبيعي أن يكون هناك مؤشرات لقياس ذلك، فكيف نكتشف الاحتراق مبكراً؟
إنّ الاحتراق لا يأتي فجأة، بل يرسل إشارات عاطفية،سلوكيّة، إدراكيّة، وجسديّة.
ويبقى السؤال الأهم ،
كيف نحمي شعلة التعليم على المستوى المؤسسي، المجتمعي، والشخصي؟
على المستوى المؤسسي تخفيف الأعباء غير التعليمية، أي تحرير المعلم من قيود الروتين الإداري.
توفير بيئة داعمة، فتح قنوات حوار حقيقية، ومساحات آمنة للتعافي.
العمل على التطوير المهني الهادف، تدريبات تعزز الكفاءة لا تشكل عبئاً إضافياً.
فعلى المستوى المجتمعي يجب أن تسود ثقافة التقدير، تحويل الشعارات إلى ممارسات يومية ملموسة.
بناء شراكة حقيقية، مع أولياء الأمور لتقليل الضغوط على المعلم.
وعلى المستوى الشخصي يجب ترسيخ ثقافة الوعي بالحدود، معرفة متى نقول "كفى".
و الاهتمام بالذات لأن المعلم الذي يهلك نفسه لا يستطيع إحياء الآخرين ، ومن الضرورة البحث عن المعنى من خلال تذكير النفس بالفرق الذي نحدثه ولو كان صغيراً. فلنبحث عن طرق إعادة إشعال الشعلة!
ختامًا، الاحتراق الوظيفي للمعلمين ليس مشكلة فردية، بل هو عَرَض لنظام تعليمي متعب.
والاهتمام برفاهة المعلم ليس ترفاً، بل هو استثمار في جودة التعليم نفسه. فحين نحمي المعلم من الاحتراق، لا نحافظ على إنسان فحسب، بل نحافظ على قناة نقل المعرفة والأخلاق بين الأجيال