فاطمة الزهراء والفاطميون: العقاد بين الأدب وامتحان التاريخ


فاروق غانم خدّاج كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني


صدر كتاب عباس محمود العقاد «فاطمة الزهراء والفاطميون» للمرة الأولى سنة 1953 عن دار الهلال، ضمن سلسلة «كتاب الهلال»، في العدد السابع والعشرين الصادر في يونيو من ذلك العام. ويتوزع العمل قسمين: يتناول أولهما فاطمة الزهراء وسيرتها وشخصيتها، فيما ينتقل الثاني إلى الفاطميين، فيبحث في نسبهم ودعوتهم وحكامهم وحياتهم الحضارية. ومنذ العنوان، يضع العقاد أمام القارئ صلة تمتد من الشخصية إلى الذرية، ومن الذرية إلى الدولة، بما يجعل الكتاب أوسع من سيرة فردية أو عرض لحقبة سياسية.
لا يدخل العقاد إلى الموضوع من باب التأريخ المجرد، بل يحمل معه أدوات الأديب والمفكر. فهو يبحث عن الإنسان خلف الشخصية التاريخية، وعن الدوافع الفكرية والنفسية وراء المواقف، ويعيد ترتيب الوقائع ضمن رؤية تحاول أن تكشف العلاقات الكامنة بينها. ولهذا تبدو الشخصيات في كتابه حاضرة بملامحها الإنسانية، لا مجرد أسماء في تسلسل زمني.
وتبدأ الرحلة من فاطمة الزهراء، من نشأتها في بيت النبوة، وزواجها من علي بن أبي طالب، إلى شخصيتها ومكانتها ومواقفها. ويولي العقاد هذه الشخصية عناية خاصة، محاولًا أن يستخلص من سيرتها صورة للمرأة التي نشأت في بيئة صنعتها الرسالة الإسلامية، ثم أصبحت محورًا مهمًا في امتداد النسب الذي ارتبط لاحقًا باسم الفاطميين.
ومن فاطمة ينتقل إلى الذرية، ومن الذرية إلى النسب، ثم إلى الدولة. وهنا يتخذ الكتاب منحى آخر، لأن النسب في تصور العقاد ليس مجرد مسألة عائلية، وإنما يدخل في تكوين الرمزية التي يمكن أن تستند إليها حركة سياسية. لذلك يحتل بحث أصل الفاطميين مساحة بارزة من الكتاب، ويعرض العقاد الروايات المختلفة المتعلقة بنسبهم، ويتوقف عند ما أثير حولها من اعتراضات، ثم يناقش الحجج التي استند إليها أصحاب تلك الروايات.
ولا يقف العقاد عند قضية النسب وحدها، بل يتابع نشأة الدعوة الإسماعيلية وتطورها وما ارتبط بها من تنظيم وانتشار. ويظهر هنا اهتمامه بالكيفية التي تتحول بها الفكرة إلى حركة، ثم إلى مشروع سياسي قادر على الوصول إلى السلطة. ومن خلال حديثه عن الدعوة وشخصياتها، ومن بينها الحسن بن الصباح، يحاول أن يضيء البنية الفكرية والتنظيمية التي سبقت قيام الدولة، وأن يربط بين العقيدة والتنظيم والقدرة على التأثير في الأحداث.
ومن هذه الخلفية يصل العقاد إلى الدولة الفاطمية نفسها. ولا يقدمها باعتبارها مجرد أسرة انتقلت من الحكم في شمال أفريقيا إلى مصر، بل باعتبارها تجربة سياسية متكاملة بدأت بدعوة، ثم استطاعت أن تبني سلطة وتؤسس مركزًا جديدًا لها. وفي هذا السياق تصبح مصر نقطة التحول الكبرى؛ إذ تنتقل الدولة إلى فضاء أكثر اتساعًا، وتجد في البلاد المصرية موقعًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا قادرًا على احتضان مشروعها.
وتحتل القاهرة مكانة بارزة في هذه الصورة. فقيام المدينة وتطورها يرتبطان عند العقاد بتحول الدولة الفاطمية إلى قوة مركزية في مصر. ولم تعد المسألة مجرد انتقال عاصمة، وإنما تأسيس مركز سياسي وثقافي جديد. وهكذا تتداخل في نظرته المدينة مع الدولة، والعمران مع السلطة، والحياة الثقافية مع تكوين المجتمع.
ويخصّ العقاد المعز لدين الله بمكانة أساسية في فهم هذه المرحلة. فهو يراه الحاكم الذي ارتبط بانتقال الدولة الفاطمية إلى مصر وترسيخ وجودها فيها، ولا يتعامل مع دخوله مصر باعتباره حدثًا عسكريًا منفصلًا، بل ثمرة مسار سياسي طويل. وفي صورة المعز عنده تجتمع القدرة على إدارة الدولة، وتقدير أهمية مصر، والانتقال بالمشروع الفاطمي من مرحلة التأسيس في المغرب إلى مرحلة أكثر اتساعًا في المشرق.
ومن خلال المعز، يبرز العقاد أيضًا أهمية القاهرة باعتبارها مركزًا للدولة الجديدة. فالمدينة ليست في هذا التصور مجرد مقر للحكم، بل جزء من مشروع سياسي وحضاري أوسع، يرتبط بالإدارة والجيش والاقتصاد والعمران، ويمنح الدولة الفاطمية حضورًا يتجاوز حدود السلطة المباشرة.
أما الحاكم بأمر الله، فيتناوله العقاد من زاوية مختلفة، لأنه يمثل شخصية شديدة الخصوصية في التاريخ الفاطمي. ويهتم بتعدد جوانبها، وبالأخبار والمواقف التي أحاطت بعهدها، محاولًا أن يفهم الحاكم في علاقته بعصره ودولته. ومن خلال هذه الشخصية يبرز اهتمام العقاد بالعلاقة بين الفرد التاريخي والمرحلة التي يعيش فيها، وكيف يمكن لشخصية الحاكم أن تصبح جزءًا أساسيًا من صورة الدولة في الذاكرة.
ولا يختصر العقاد الدولة الفاطمية في السياسة والحكم، بل يمنح جانبها الحضاري مساحة واسعة. فهو يتحدث عن التعليم والثقافة والكتب والعلم، وعن العمران والصناعة والثروة وتنظيم الحياة في المدن. ومن خلال هذه العناصر يرسم صورة لعصر يرى أنه لم يكن مجرد مرحلة من مراحل الصراع على السلطة، بل فترة كان لها أثرها في بناء الحياة المصرية وتطورها.
وهنا تتضح إحدى الأفكار المركزية في الكتاب: الدولة عند العقاد لا تُفهم من خلال حكامها وحدهم، وإنما من خلال ما تتركه في المجتمع. فالسلطة السياسية تكتسب معناها التاريخي من قدرتها على إنشاء المدن، ورعاية العلم والثقافة، وتنظيم الحياة العامة، وترك آثار تتجاوز زمنها. ولذلك ينتقل العقاد في حديثه عن الفاطميين من سؤال «من هم؟» إلى سؤال أوسع: «ماذا صنعوا؟».
وفي هذا الإطار يمنح العصر الفاطمي مكانة متقدمة في تاريخ مصر. فالعقاد يرى فيه مرحلة حضارية ذات شأن، تتكامل فيها مظاهر القوة السياسية مع الحركة الثقافية والعمرانية والاجتماعية. وهو لا يفصل بين هذه المجالات، بل ينظر إليها باعتبارها أجزاء من صورة واحدة: دولة استطاعت أن تفرض حضورها السياسي، وأن تبني مدينة، وأن تنشئ مؤسسات، وأن تترك أثرًا في الثقافة والحياة المصرية.
ومن اللافت أن العقاد لا يتناول الفاطميين منفصلين عن تاريخ مصر الطويل، بل يضع تجربتهم ضمن سلسلة الحضارات التي تعاقبت على البلاد. ولهذا يأتي تقديره للحضارة الفاطمية في سياق أوسع من مجرد تقييم دولة أو سلالة، إذ يرى في مصر فضاءً تتراكم فيه التجارب التاريخية، وتضيف كل مرحلة طبقة جديدة إلى ذاكرتها الحضارية.
وإذا وضعنا الكتاب إلى جوار مشاريع ثقافية تاريخية عند أحمد أمين ومحمد حسين هيكل، يتضح موقع العقاد في الكتابة التاريخية الحديثة. فقد اشترك هؤلاء في تقديم الماضي إلى القارئ العربي بلغة حديثة، لكن العقاد كان أكثر التصاقًا ببناء الشخصية، وأكثر اعتمادًا على الحجاج الفكري والأسلوب الأدبي في تفسير الأحداث. إنه لا يتعامل مع التاريخ بوصفه سجلًا للوقائع فقط، وإنما يجعله مجالًا للتأمل في الإنسان والفكرة والمجتمع.
ومن هنا تبدو الأحكام الواسعة التي يصوغها العقاد جزءًا من طريقته في التفكير. فهو يجمع الوقائع والجزئيات في صورة كلية، ثم يبحث عن الدلالة التي تمنح المرحلة معناها العام. وهذه السمة تمتد إلى عدد من كتبه التي تناول فيها الشخصيات والحقب التاريخية، حيث يهمه أن يرى التجربة في وحدتها الفكرية والإنسانية، لا في تفاصيلها المنفصلة فقط.
ويكتسب صدور الكتاب سنة 1953 دلالة إضافية عند وضعه في سياقه الثقافي. فقد جاءت هذه المرحلة بعد ثورة يوليو 1952، وفي وقت كانت مصر تعيش تحولات سياسية وفكرية عميقة، وكانت أسئلة الهوية والتراث والعروبة وموقع مصر في تاريخها حاضرة في النقاش الثقافي. ولا يعني ذلك اختزال الكتاب في ظرفه السياسي، لكن هذا السياق يساعد على فهم اهتمام العقاد بتاريخ مصر وطبقاته المتعددة، وعلى إدراك موقع التاريخ في التفكير العربي خلال تلك المرحلة.
أما قيمة الكتاب في الذاكرة الثقافية، فتتجاوز مسألة الاتفاق مع العقاد أو الاختلاف معه. فالكتب التي تتناول شخصيات كبرى ودولًا تركت آثارًا ممتدة لا تنقل المعرفة فحسب، وإنما تسهم في الطريقة التي يتخيل بها القارئ الماضي. ومن هذه الزاوية يصبح «فاطمة الزهراء والفاطميون» نصًا يشارك في صناعة صورة تاريخية، ويكشف في الوقت نفسه عن رؤية صاحبه إلى الإنسان والدولة والحضارة.
ولعل أجمل ما في تجربة العقاد هنا أن فاطمة الزهراء ليست بداية منفصلة عن نهاية الكتاب؛ فمن سيرتها يصل إلى النسب، ومن النسب إلى الدعوة، ومن الدعوة إلى الدولة، ومن الدولة إلى الحضارة. وهكذا تتشكل أمام القارئ سلسلة فكرية واحدة، تنتقل من الشخصية إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى سؤال الحضارة.
لهذا تبقى قراءة «فاطمة الزهراء والفاطميون» ممتعة ومفتوحة على أكثر من مستوى. فهي قراءة لشخصية فاطمة الزهراء، وقراءة لتاريخ الفاطميين، وقراءة لطريقة العقاد نفسه في التعامل مع الماضي. وبين هذه المستويات الثلاثة تتشكل قيمة الكتاب، لأنه يكشف كيف يستطيع الأديب والمفكر أن يحول المادة التاريخية إلى بناء فكري له أسئلته وملامحه.
في النهاية، يقف العقاد في هذا الكتاب عند منطقة مشتركة بين الأدب والفكر والتاريخ. فهو يكتب التاريخ بعين تبحث عن الشخصية، ويقرأ الدولة من خلال الإنسان والحضارة، ويجعل من الوقائع مادة لتكوين رؤية أوسع. ولذلك لا يبقى «فاطمة الزهراء والفاطميون» مجرد كتاب عن شخصية ودولة، بل يصبح شاهدًا على طريقة مفكر كبير في قراءة الماضي، وعلى إيمانه بأن التاريخ، وراء أخباره وأحداثه، هو أيضًا سؤال دائم عن الإنسان وما يصنعه في العالم.
وربما لهذا يستمر الكتاب في إثارة الاهتمام بعد عقود طويلة من صدوره؛ لأن العقاد لم يكتفِ بأن يروي ما حدث، بل حاول أن يمنح ما حدث معنى. وبين السيرة والنسب والدعوة والدولة والحضارة، ترك للقارئ مساحة واسعة ليتأمل تاريخًا لا يزال حاضرًا في الذاكرة، وكتابًا لا يزال قادرًا على فتح أبواب جديدة للفهم.