فاطمة الفهرية… المرأة التي جعلت من العلم إرثًا خالدًا

فاطمة الفهرية، المعروفة أيضًا بفاطمة الفهرية القيروانية، شخصية ارتبط اسمها بتاريخ العلم والتعليم في مدينة فاس المغربية، بعدما أسست في القرن التاسع الميلادي جامع القرويين، الذي تحول عبر القرون إلى واحد من أبرز مراكز العلم في العالم الإسلامي. 

وتشير مصادر اليونسكو إلى أن القرويين تأسس في فاس سنة 859م على يد امرأة هي فاطمة الفهرية القيروانية.

من القيروان إلى فاس

تنسب الروايات التاريخية فاطمة الفهرية إلى مدينة القيروان في تونس، ومنها جاء لقبها «الفهرية القيروانية». انتقلت أسرتها إلى فاس، حيث نشأت في بيئة ازدهرت فيها الحركة العمرانية والعلمية.

وبعد وفاة والدها، آلت إليها ثروة، فاختارت أن توجهها إلى عمل ذي أثر يتجاوز حياتها الشخصية. وبدل أن يكون المال وسيلة للرفاه وحده، أصبح وسيلة لبناء مؤسسة دينية وعلمية ستستمر آثارها قرونًا طويلة.

عام 859م… بداية الحكاية

في سنة 859م، بدأت فاطمة الفهرية تأسيس جامع القرويين في مدينة فاس. وتذكر مصادر اليونسكو أن الجامع أصبح منذ ذلك الوقت محورًا لنشاط ديني وفكري وعلمي مهم في المدينة. 

ولم يكن المشروع مجرد بناء مسجد؛ فقد أصبح القرويين مع مرور الزمن فضاءً للتعليم وتبادل المعرفة واستقبال العلماء والطلاب.

وهنا تكمن أهمية قصة فاطمة الفهرية: فهي لم تترك وراءها مبنى فحسب، بل ارتبط اسمها بمؤسسة استمر وجودها وتطور دورها عبر أجيال متعاقبة.

من المسجد إلى مركز عالمي للمعرفة

تطور دور القرويين على مر القرون، وأصبحت فاس نفسها مركزًا علميًا وثقافيًا مهمًا. وتشير وثائق اليونسكو إلى أن طلابًا قدموا إلى فاس من مناطق مختلفة، كما ارتبط القرويين بأسماء عدد من العلماء والمفكرين، ومنهم المؤرخ ابن خلدون والفيلسوف والطبيب ابن رشد وغيرهما. 

كما حافظت مكتبة القرويين على مخطوطات مهمة، وأصبحت جزءًا من التراث الوثائقي الذي يحظى باهتمام مؤسسات حفظ التراث. وتوضح وثائق اليونسكو المتعلقة بمكتبة القرويين وجود مختبر لترميم المخطوطات وعمليات للميكروفيلم والرقمنة بهدف المحافظة على هذا التراث.

امرأة تركت أثرًا يتجاوز زمنها

تكمن أهمية فاطمة الفهرية أيضًا في أن قصتها تقدم نموذجًا تاريخيًا لدور المرأة في دعم المعرفة والمؤسسات العلمية.ففي زمن لم تكن فيه وسائل التعليم والاتصال كما هي اليوم، استطاعت أن تجعل من ثروتها مشروعًا عامًا، وأن ترتبط بإنشاء مؤسسة أصبحت جزءًا من ذاكرة الحضارة الإسلامية في المغرب.

ولذلك لم يعد اسمها مرتبطًا بفاس وحدها، بل أصبح حاضرًا في الحديث عن تاريخ التعليم العالي والمؤسسات العلمية القديمة.

هل كانت القرويين «أقدم جامعة في العالم»؟

تتكرر كثيرًا عبارة أن القرويين هي «أقدم جامعة في العالم». لكن من الناحية التاريخية، يحتاج هذا الوصف إلى شيء من الدقة، لأن مفهوم «الجامعة» بصورته المؤسسية الحديثة لم يكن مطابقًا تمامًا لمؤسسات التعليم في القرون الوسطى.

الأدق أن نقول إن القرويين من أقدم المؤسسات التعليمية التي استمرت في العمل عبر التاريخ، وقد تأسست في القرن التاسع الميلادي، وهو الوصف الذي يظهر في مصادر اليونسكو المتعلقة بتاريخ فاس والقرويين. وهذا لا يقلل من أهمية الإنجاز، بل يجعله أكثر دقة تاريخيًا.

إرث فاطمة الفهرية

رحلت فاطمة الفهرية، لكن المشروع الذي ارتبط باسمها استمر بعد رحيلها بقرون. وهذا هو المعنى الأعمق للإرث التاريخي: أن يتحول عمل الإنسان إلى مؤسسة تستمر في خدمة الآخرين بعد انتهاء حياته.

لقد اختارت فاطمة أن تستثمر في المعرفة، والمعرفة بطبيعتها لا تستهلك مثل المال، بل تنتقل من جيل إلى آخر.ومن هنا يمكن فهم سر بقاء اسمها في الذاكرة: لم تبنِ بيتًا لها، بل ارتبط اسمها بمكان دخل إليه الطلاب والعلماء، وحملت أروقته الكتب والمخطوطات والعلوم.

فاطمة الفهرية ليست مجرد اسم في كتاب تاريخ؛ إنها قصة امرأة اختارت أن تجعل من المال علمًا، ومن البناء مؤسسة، ومن حياتها أثرًا امتد عبر أكثر من ألف عام.