
القروض السكنية في لبنان بين مصرف الإسكان والمؤسسة العامة للإسكان: من أمل الـ100 مليون إلى تمويل الـ20 مليون دولار
عاد ملف القروض السكنية في لبنان إلى الواجهة بقوة، بعدما ظلّ لسنوات من أكثر الملفات التي ينتظرها اللبنانيون، ولا سيما الشباب والعائلات من ذوي الدخل المحدود والمتوسط، في ظل ارتفاع أسعار العقارات وكلفة البناء والترميم والإيجارات، وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الحصول على تمويل مصرفي طويل الأجل بشروط ميسّرة.إلا أن الحديث عن «عودة القروض السكنية» يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، لأن هناك جهتين مختلفتين تمامًا في هذا المجال هما مصرف الإسكان والمؤسسة العامة للإسكان، ولكل منهما طبيعة قانونية وآلية تمويل مختلفة، كما أن التطورات الأخيرة في مشروع موازنة عام 2027 أدخلت عنصرًا جديدًا ومهمًا، بعدما أشارت أحدث التقارير إلى تقليص التمويل المقترح للمؤسسة العامة للإسكان من نحو 100 مليون دولار كانت تطلبها إلى نحو 20 مليون دولار.وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الرقم المتعلق بإجمالي التمويل المخصص للبرنامج وبين الرقم المتعلق بسقف القرض الذي يمكن أن يحصل عليه المواطن، لأن الخلط بينهما يؤدي إلى معلومات غير دقيقة.
مصرف الإسكان: مؤسسة قائمة وقروضها عادت بالفعل
مصرف الإسكان هو مؤسسة مصرفية، وهو يختلف في طبيعته عن المؤسسة العامة للإسكان. وقد أعاد المصرف فتح باب القروض السكنية المدعومة في عام 2024 بعد سنوات من التوقف، وبدأت عمليات صرف القروض في حزيران من العام نفسه.
وفي إطار التمويل المرتبط بقرض الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ارتفع سقف القرض السكني إلى 100 ألف دولار في عام 2025، بعدما كان 50 ألف دولار. ووفق أحدث الأرقام المنشورة في تموز 2026، كان مصرف الإسكان قد منح 1059 قرضًا بقيمة إجمالية تقارب 74 مليون دولار، بينها 980 قرضًا لشراء الشقق، و49 قرضًا للبناء، و30 قرضًا للترميم.
وفي تطور آخر، خفّض مصرف الإسكان اعتبارًا من 1 تموز 2026 معدل الفائدة السنوي على القروض السكنية المرتبطة بتمويل الصندوق العربي من 6 في المئة إلى 5.75 في المئة، بعد إعفائه من رسم إدارة سنوي نسبته 0.25 في المئة كان يتقاضاه مصرف لبنان لإدارة القرض الممنوح للمصرف من الصندوق العربي.
وهذا يعني أن مصرف الإسكان ليس في موقع «انتظار إعادة إطلاق» بالمعنى نفسه الذي ينطبق على المؤسسة العامة للإسكان، بل هو يعمل حاليًا ضمن برامجه التمويلية المتاحة، مع استمرار ارتباط شروط القروض بمصادر التمويل والبرامج المحددة.
أما المؤسسة العامة للإسكان فالقصة مختلفة
المؤسسة العامة للإسكان هي مؤسسة عامة ذات طبيعة مختلفة عن المصرف، وكانت تاريخيًا تؤدي دورًا أساسيًا في تمكين اللبنانيين من الحصول على قروض سكنية مدعومة، وغالبًا بالتعاون مع المصارف التجارية.
لكن انهيار القطاعين المالي والمصرفي بعد عام 2019، إضافة إلى توقف آليات التمويل السابقة، أديا إلى توقف استقبال طلبات القروض الجديدة منذ سنوات. ومن هنا جاءت المحاولات الحالية لإعادة تشغيل المؤسسة عبر آلية تمويل جديدة تقوم بصورة أكبر على تأمين اعتماد من الدولة، بدل الاعتماد حصراً على النموذج القديم المرتبط بالمصارف ومصرف لبنان.
وفي أيلول 2026، كان رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للمؤسسة العامة للإسكان روني لحود قد أعلن أن المؤسسة طلبت من وزارة المال 100 مليون دولار لإعادة إطلاق برنامج القروض، على أن يتيح هذا المبلغ تمويل نحو 1400 عائلة لبنانية.
كما طُرح أن يبلغ سقف القرض نحو 100 ألف دولار، بفائدة تقارب 3.5 في المئة ولمدة تصل إلى 20 عامًا.وكان التصور المطروح لا يقتصر على شراء المساكن، بل يشمل أيضًا البناء والترميم واستكمال البناء، فيما أشارت المعطيات التي نقلتها «النهار» إلى أن حجم الاستفادة كان يمكن أن يتغير بحسب قيمة الاعتماد النهائي، بحيث يمكن اعتماد متوسط أقل للقرض إذا لم يتوافر مبلغ الـ100 مليون دولار كاملًا.كما أشار لحود إلى أن المقترض قد يكون مطالبًا بتأمين ما لا يقل عن 20 في المئة من الدفعة، بينما يكون الاقتراض بفائدة مقترحة تبلغ 3.5 في المئة على القيمة المتبقية، مع اتجاه إلى شروط إفادة شبيهة بالشروط السابقة، وإن كانت التفاصيل النهائية تحتاج إلى إقرار البرنامج وآلية تنفيذه.
100 مليون دولار… ثم 66 مليونًا… ثم نحو 20 مليونًا
هنا طرأ التطور الأهم الذي يجب أن يكون واضحًا في أي مادة تنشر حول الملف.في بداية طرح البرنامج، كانت المؤسسة العامة للإسكان تطلب نحو 100 مليون دولار، على أساس إمكانية تمويل قرابة 1400 قرض.
وفي 21 أيلول 2026، نُقل عن وزير المال ياسين جابر الإعلان عن تخصيص نحو 66 مليون دولار للإسكان ضمن مشروع موازنة 2027، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أن الرقم قد يخضع للمراجعة نتيجة الضغوط المالية والمطالبات بزيادة الإنفاق على الرواتب.ثم جاءت التطورات الأخيرة في نهاية أيلول وبداية تشرين الأول لتشير إلى خفض أكبر.
فبحسب تقارير منشورة في 2 و3 تشرين الأول 2026، أصبح التمويل المرتقب للقروض السكنية عبر المؤسسة العامة للإسكان في مشروع موازنة 2027 في حدود 20 مليون دولار، مقارنة بنحو 100 مليون دولار كانت المؤسسة تطلبها لإعادة إطلاق برنامجها. وقد عبّرت نقابة الوسطاء والاستشاريين العقاريين عن اعتراضها على هذا الخفض، معتبرة أنه يحدّ من قدرة البرنامج على مساعدة الشباب والعائلات اللبنانية.
وبذلك، فإن الانتقال من 100 مليون دولار إلى نحو 20 مليونًا يعني خفضًا يقارب 80 في المئة من التمويل المطلوب للبرنامج.لكن من الضروري جدًا توضيح أن هذا الرقم لا يعني أن سقف القرض الفردي أصبح 20 ألف دولار، ولا يعني أن القرض الذي كان مطروحًا بسقف 100 ألف دولار خُفّض إلى 20 ألفًا.
الرقم 20 مليون دولار يتعلق بإجمالي التمويل المخصص للبرنامج، بينما بقي سقف القرض الفردي المطروح في التصور الحالي عند حدود 100 ألف دولار، مع فائدة مقترحة 3.5 في المئة ومدة سداد تصل إلى 20 عامًا.
ماذا يعني خفض التمويل إلى 20 مليون دولار؟
المشكلة الأساسية ليست في قيمة القرض الفردي فقط، بل في عدد العائلات التي يمكن أن تستفيد منه.فعندما كان الحديث عن 100 مليون دولار، كانت التقديرات تشير إلى إمكان تمويل نحو 1400 عائلة.
وعندما كان الرقم المطروح 50 مليون دولار، كانت التقديرات تنخفض إلى نحو 700 عائلة. أما مع الوصول إلى نحو 20 مليون دولار، فتتقلص القدرة التمويلية بصورة كبيرة، وقدرت تقارير حديثة أن عدد المستفيدين قد يدور في حدود 200 إلى 250 عائلة وفق تقديرات مرتبطة بالبرنامج.
وهذا يعني أن إعادة إطلاق المؤسسة، إذا تمّت بهذا الحجم من التمويل، قد تكون خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنها ستكون محدودة جدًا قياسًا بحجم الطلب المتراكم والحاجة السكنية في لبنان.
فالمؤسسة لا تواجه طلبًا جديدًا فقط، بل تأتي بعد سنوات من توقف التمويل السكني المدعوم، في وقت ازدادت فيه أسعار المساكن والإيجارات وكلفة البناء والترميم، وأصبح امتلاك منزل بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب أكثر صعوبة.
هل أصبح مبلغ الـ20 مليون دولار نهائيًا؟
هنا أيضًا يجب اعتماد صياغة دقيقة.مجلس الوزراء أقر مشروع موازنة 2027 في الأول من تشرين الأول 2026، وقرر إحالته إلى المرجعيات الدستورية ثم إلى مجلس النواب ضمن الأصول الدستورية.
لكن التقارير الإعلامية التي تحدثت عن مبلغ نحو 20 مليون دولار لا تعني أن هذا الرقم أصبح نهائيًا ونهائي التنفيذ بمجرد صدوره في الإعلام. فمشروع الموازنة لا يصبح قانونًا نهائيًا إلا بعد استكمال المسار الدستوري وإقراره من مجلس النواب، كما أن آلية تحويل الاعتماد إلى برنامج إقراض فعلي وشروط الاستفادة وكيفية إدارة الأموال تحتاج إلى ترتيبات تنفيذية.
ولهذا من الأدق القول إن أحدث التقارير المنشورة تتحدث عن خفض الاعتماد المقترح للمؤسسة العامة للإسكان إلى نحو 20 مليون دولار، وليس القول إن المؤسسة تسلمت بالفعل 20 مليون دولار وبدأت بتوزيعها على المواطنين.وهذه نقطة جوهرية، لأن الفرق كبير بين اعتماد مرصود في الموازنة وبين أموال متاحة فعليًا للإقراض.
مصرف الإسكان ليس المؤسسة العامة للإسكان
ومن الأخطاء التي تتكرر في تناول هذا الملف التعامل مع الجهتين وكأنهما مؤسسة واحدة.مصرف الإسكان هو مصرف يعمل وفق طبيعته المصرفية وبرامجه التمويلية، وقد استأنف منح القروض بالفعل، ولديه مصادر تمويل وبرامج مختلفة، ومن بينها التمويل المرتبط بالصندوق العربي، الذي أصبح سقف القرض ضمنه 100 ألف دولار، كما خُفّضت الفائدة إلى 5.75 في المئة على القروض المعنية بهذا التمويل اعتبارًا من تموز 2026.
أما المؤسسة العامة للإسكان فهي مؤسسة عامة، وعودة قروضها الجديدة مرتبطة حاليًا بالتمويل الذي سيُعتمد لها ضمن موازنة 2027 وبالآلية التي ستعتمدها الدولة لتشغيل البرنامج.
وبالتالي، فإن الحديث عن خفض التمويل من 100 مليون إلى 20 مليون دولار ينطبق على البرنامج المرتقب للمؤسسة العامة للإسكان، وليس على سقف القرض في مصرف الإسكان، ولا يعني أن مصرف الإسكان خفّض قروضه من 100 ألف دولار إلى 20 ألفًا.
لماذا يشكل هذا الملف أهمية اقتصادية إلى جانب أهميته السكنية؟
القرض السكني ليس مجرد علاقة بين مواطن ومؤسسة مالية، بل يرتبط بسلسلة واسعة من القطاعات الاقتصادية.عندما يحصل المواطن على قرض لشراء منزل، يتحرك القطاع العقاري، ويستفيد المطور العقاري والمقاول والمهندس والنجار والحداد والكهربائي والدهان وشركات مواد البناء والمكاتب العقارية والنقل وسائر المهن المرتبطة بالبناء والتجهيز.
ولهذا كان توقف القروض السكنية أحد العوامل التي أثرت في الدورة العقارية والإنشائية، في حين يمكن لإعادة التمويل، حتى ولو بصورة تدريجية، أن تعيد جزءًا من النشاط إلى هذه القطاعات.
وقد أشار رئيس المؤسسة العامة للإسكان روني لحود إلى أن توقف القروض السكنية ساهم في تسريع الانكماش الاقتصادي، انطلاقًا من الترابط بين قطاع الإسكان وقطاعات اقتصادية أخرى.
لكن السؤال الحقيقي: هل تكفي 20 مليون دولار؟
من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، قد تكون إعادة فتح باب القروض خطوة ضرورية، لكن حجم التمويل يحدد مدى تأثيرها.فإذا كانت الدولة تريد معالجة مشكلة السكن، ودعم الشباب، وتحريك السوق العقارية، وتنشيط قطاع البناء، فإن برنامجًا لا يستفيد منه سوى بضع مئات من العائلات سنويًا لن يكون قادرًا وحده على إحداث تحول واسع في السوق.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الواقع المالي للدولة والضغوط الكبيرة التي تواجه الموازنة. لذلك تبدو المعادلة اليوم بين حاجتين متعارضتين: حاجة اللبناني إلى التمويل السكني من جهة، وقدرة الدولة على توفير تمويل كبير ومستدام من جهة أخرى.
ومن هنا تبرز أهمية البحث عن صيغة لا تجعل القروض السكنية مجرد اعتماد سنوي محدود، بل برنامجًا مستدامًا يعيد تدوير الأموال التي تسددها العائلات المقترضة في قروض جديدة، بحيث يتحول التمويل الأولي إلى صندوق قادر على الاستمرار وتوسيع دائرة المستفيدين مع مرور الوقت.
نحو سياسة إسكان لا مجرد قرض
لبنان يحتاج اليوم إلى أكثر من مجرد إعلان عودة القروض.المطلوب سياسة إسكانية واضحة تربط بين الدولة ومصرف الإسكان والمؤسسة العامة للإسكان والقطاع المصرفي والقطاع العقاري، وتضع معايير شفافة للاستفادة، وتمنع ازدواجية الاستفادة، وتعطي الأولوية لمن لا يملك مسكنًا، وتراعي الدخل الحقيقي للعائلات وقدرتها على السداد.
كما ينبغي أن يكون هناك وضوح كامل أمام المواطن: من هي الجهة التي تمنحه القرض؟ ما هو سقف القرض؟ ما هي الفائدة؟ ما مدة السداد؟ ما قيمة الدفعة الأولى؟ ما شروط الدخل؟ هل يشمل القرض الشراء فقط أم البناء والترميم أيضًا؟ ومتى يبدأ تقديم الطلبات؟ وهل الأموال متاحة فعلًا أم أن البرنامج لا يزال في مرحلة الإقرار؟فالمواطن اللبناني الذي ينتظر منذ سنوات لا يحتاج إلى أرقام متداولة فحسب، بل يحتاج إلى برنامج معلن، واضح، مستقر وقابل للتنفيذ.
وفي الخلاصة، فإن آخر صورة للملف حتى مطلع تشرين الأول 2026 يمكن تلخيصها على النحو الآتي: مصرف الإسكان يعمل ويمنح قروضًا ضمن برامجه، وقد بلغ سقف بعض قروضه المدعومة 100 ألف دولار، مع خفض الفائدة المرتبطة بتمويل الصندوق العربي إلى 5.75 في المئة؛ أما المؤسسة العامة للإسكان فتستعد لإعادة إطلاق برنامج جديد بعد سنوات من التوقف، وكان طلبها الأصلي نحو 100 مليون دولار لتمويل قرابة 1400 عائلة، مع سقف مقترح للقرض يبلغ 100 ألف دولار وفائدة 3.5 في المئة ومدة تصل إلى 20 عامًا، قبل أن تتحدث أحدث التقارير عن تقليص التمويل المرتقب إلى نحو 20 مليون دولار.
وهكذا، فإن القضية لم تعد فقط: هل ستعود القروض السكنية؟ بل أصبحت أيضًا: بأي حجم ستعود، ومن سيستفيد منها، وهل سيكون التمويل كافيًا لإحداث فرق حقيقي في أزمة السكن؟
المعطيات المنشورة من مجلس الوزراء اللبناني بشأن إقرار مشروع موازنة 2027 وإحالته إلى المسار الدستوري، - تقارير «النهار» -تقارير «الأخبار» -«أخبار اليوم» و«ليبانون فايلز» و«المدن» بشأن تطورات التمويل وصولًا إلى رقم نحو 20 مليون دولار، -تصريحات رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للمؤسسة العامة للإسكان روني لحود