
في خطوة تاريخية تعكس الأهمية الحضارية لجنوب لبنان، قررت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو إدراج قلاع جبل عامل الخمس على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر، اعترافًا بقيمتها الإنسانية الاستثنائية وبما تعرضت له من أخطار وأضرار خلال السنوات الأخيرة. ويشكّل هذا القرار محطة مفصلية في مسار حماية التراث اللبناني، إذ يفتح الباب أمام تعزيز الجهود الدولية الرامية إلى صون هذه المعالم التاريخية وإعادة تأهيلها وحمايتها للأجيال القادمة.
وتضم المجموعة خمس قلاع هي: الشقيف (بوفور)، تبنين (تورون)، دوبية (شقرا)، دير كيفا (مارون)، وشمع، وهي ليست مجرد حصون عسكرية متفرقة، بل منظومة دفاعية متكاملة نشأت منذ العصور الوسطى لحماية الطرق التجارية والعسكرية التي كانت تربط الساحل اللبناني بداخل بلاد الشام. وقد تعاقبت على هذه القلاع حضارات ودول متعددة، من الصليبيين إلى الأيوبيين والمماليك والعثمانيين والحكام المحليين، مما جعلها شاهدة على ما يقارب ألف عام من التاريخ السياسي والعسكري والعمراني في المنطقة. وقد استند إدراجها إلى المعيارين (ii) و(iv) من معايير التراث العالمي، باعتبارها تجسد تبادل القيم الإنسانية وتطور العمارة الدفاعية في المشرق.
تُعد قلعة الشقيف، الواقعة على تلة شاهقة فوق نهر الليطاني قرب بلدة أرنون، أشهر قلاع جنوب لبنان وأكثرها تحصينًا. ويُرجح أن جذورها تعود إلى عصور أقدم، إلا أن شكلها الحالي يعود إلى القرن الثاني عشر خلال الحقبة الصليبية. بفضل موقعها الاستراتيجي الذي يرتفع مئات الأمتار عن محيطه، كانت تسيطر على الطرق المؤدية بين فلسطين والداخل اللبناني، الأمر الذي جعلها هدفًا دائمًا للغزوات والمعارك. ولا تزال جدرانها الضخمة وأبراجها تشهد على براعة الهندسة العسكرية في العصور الوسطى.
تقع قلعة تبنين فوق هضبة مرتفعة تشرف على معظم قرى جبل عامل، وقد شُيدت عام 1105 تقريبًا على يد الصليبيين، ثم أصبحت لاحقًا مركزًا مهمًا في الصراع بين الصليبيين والأيوبيين. تتميز القلعة بأسوارها السميكة وخزانات المياه والأقبية الواسعة التي تعكس مستوى متقدمًا من فنون البناء العسكري. وقد لعبت دورًا سياسيًا وإداريًا مهمًا خلال فترات متعددة من تاريخ الجنوب اللبناني.
تعرف أيضًا بقلعة شقرا، وهي من أقل القلاع شهرة إعلاميًا لكنها من أكثرها أهمية في الشبكة الدفاعية التاريخية لجبل عامل. كانت تشكل نقطة مراقبة متقدمة لحماية الممرات الداخلية، وتتميز ببقايا أسوارها وأبراجها المبنية بالحجر المحلي. ورغم ما تعرضت له من تآكل عبر الزمن، فإنها لا تزال تحتفظ بملامحها المعمارية التي توثق تطور التحصينات العسكرية في المنطقة.
تقع قرب بلدة دير كيفا، وتُعرف أيضًا باسم قلعة مارون. كانت تشكل حلقة وصل بين القلاع الأخرى، وأسهم موقعها المرتفع في مراقبة الطرق المؤدية إلى الداخل. ورغم أن أجزاءً كبيرة منها اندثرت، فإن بقايا الأساسات والجدران تكشف عن تصميم دفاعي متقن يعكس أهمية الموقع في العصور الوسطى.
تقع قلعة شمع بالقرب من مدينة صور، فوق تلة تطل على الساحل الجنوبي. ويجمع موقعها بين الأهمية الدفاعية والإشراف على الطرق الساحلية، ما جعلها عنصرًا أساسيًا في منظومة التحصينات التاريخية. وتشير الدراسات الأثرية إلى أنها شهدت مراحل بناء وإعادة ترميم متعددة عبر العصور، مما أضفى عليها طابعًا معماريًا متنوعًا يجمع بين التأثيرات الصليبية والإسلامية.
لا يمثل إدراج قلاع جبل عامل على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر تصنيفًا سلبيًا، بل هو اعتراف عالمي بقيمتها الحضارية، وإقرار بالحاجة الملحة إلى حمايتها من آثار النزاعات والإهمال والعوامل الطبيعية.
كما يتيح هذا الإدراج إمكانية الاستفادة من الدعم الفني والخبرات الدولية وبرامج الحماية التي توفرها اليونسكو للمواقع المهددة. وتختزن هذه القلاع في حجارتها ذاكرة قرون طويلة من تاريخ لبنان، فهي ليست مجرد آثار صامتة، بل صفحات مفتوحة تروي قصص الحضارات التي تعاقبت على أرض الجنوب، وتشهد على عبقرية الإنسان في تشييد الحصون والدفاع عن المدن والطرق التجارية.
واليوم، وبعد الاعتراف العالمي بأهميتها، تصبح مسؤولية الحفاظ عليها مسؤولية وطنية وإنسانية مشتركة، لضمان أن تبقى شاهدة على تاريخ المنطقة، وأن تنتقل بكل أصالتها إلى الأجيال المقبلة.