كيف نواجه الخوف باليقين في المفهوم التوحيدي؟


فاروق غانم خداج 

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

 الخوف شعور إنساني أصيلٌ، لكنه في المفهوم التوحيدي ليس مجرد انفعالٍ عابرٍ أو ضعفٍ نفسيّ، بل مؤشرٌ وضعيّ للوعي بحقيقة الفاعل الأعلى الذي يسيرُ الكونَ. 

فالخوف حين يسيطرُ على النفس يعكس أن الإنسان قد ألغى مركزَ القوة الحقيقية، أو وزع ثقته على المظاهر والأسباب بدلًا من المسببِ الوحيدِ. 

وفي هذا السياق، يظهر اليقينُ التوحيدي كأداةٍ لإعادة ترتيب القلب والعقل، وتحويل الخوف من عدوٍ مشلولٍ إلى مرشدٍ داخليٍّ ينبهُ إلى مواضع القوة والضعف في النفس، كما لو كان "مصباح إنذار" في سيارةِ الروح، ينبهُ دون أن يعيق الحركة، بل لتصحيح المسارِ.

التوحيد يعني إدراكَ أن كل شيءٍ مرتبطٌ بالله، وأن ما يصيب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما يفوته لم يكن ليأتيه إلا بإرادتهِ.

القرآن يربط الطمأنينة بذكر الله في قوله: "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"، موضحًا أن اليقين الحقيقي لا يُبنى على غيابِ الخطرِ، بل على وعي الإنسان بأن الأحداث تحت إشرافِ الفاعلِ الواحدِ. فالطمأنينة هنا ليست غياب شعورٍ بالخوف، بل حضور معرفةٍ تؤطرُ الخوف وتحجمه ضمن حدود السيطرة الداخلية للفرد.

يضيف المفهوم التوحيدي عمقًا لهذا المعنى، ويوضح أن الخوف ينشأ حين يشتّت القلب بين الأسباب والظروف والمخلوقات، فالإنسان حين يظنّ أن الأحداث تتحرك بذاتها، وأن الناس يملكون القدرة المطلقة على تغييره، يختل توازنهُ الداخليّ. 

أما القلبُ الموحد فيوجه كل تعلقه إلى الله وحده، فلا تمنحه الأحداث الكبرى أو الصغرى قدرةً على السيطرة على نفسه. وهكذا يتحوّل الخوف من تهديدٍ إلى مؤشرٍ يوجّه الإنسان إلى تصحيح علاقته بالمصدرِ الحقيقيّ، وهو الله.أولى خطوات مواجهة الخوف باليقين هي الاعترافُ به وفهمُ أسبابهِ. 

فالتعامل الواعي مع الخوف يبدأ بتسميته، وفهم مصدره، وتحديد النقاط التي تعلق بها القلب بغير الله. 

فالإدراك أن الخوف علامةٌ تحذيريةٌ لا عدوٌ يجب قتاله، يُمكّن الإنسان من توجيه طاقته نحو إصلاحٍ داخليٍّ، وتحويل القلق إلى يقينٍ متزايدٍ، بدل أن يستسلم للذعر أو الانكسار النفسيّ.

ثم تأتي خطوة المعرفة العملية بالأسباب والمسبّب. فالإنسان الموحد يدرك أن الضر والنفع، الحياة والموت، العطاء والمنع كلها تحت إرادة الله، وأن الأسباب ليست مطلقةً بذاتها، بل أدوات لتجلّي الإرادة الإلهية. 

هذه المعرفة تحول الخوف من استلابٍ داخليٍّ إلى حذرٍ واعٍ، ومن رهبةٍ بلا معنى إلى يقينٍ ينبع من إدراك الحقيقة، ويجعل الشخص قادرًا على اتخاذ القرار بثباتٍ، حتى وسط التحديات.

المفهوم التوحيدي يؤكد كذلك أن اليقين ثمرةُ التجربة والمجاهدة اليومية. فالإيمان وحده لا يكفي، بل يجب اختبار النفس في مواقف تثير الخوف. كل خطوةٍ شجاعةٍ، كل موقفٍ يُتخذ بوعيٍ، 

كل قرارٍ يُبنى على الحق والمعرفة، يغرس بذرة يقينٍ جديدةٍ في القلب. وكلما زاد الإنسان إدراكًا بالله، ازداد تحرره من هيمنة الخوف، وتحولت المخاوف إلى تدريباتٍ لتقوية الإرادة وضبط النفس.

من أهم عناصر اليقين التوحيدي التسليمُ الواعي، الذي يختلف عن الاستسلام السلبيّ. 

فهو أن يبذل الإنسان جهده كما لو أن النتيجة كلها بيده، ثم يسلّمها كما لو أنه لم يبذل شيئًا، لأن القوة الفعلية للنتيجة ليست في الإنسان، بل في الله وحده. هذا التوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل الواعي يحوّل الخوف من عائقٍ إلى أداةٍ لمعرفة حدود النفس، ويمنح الإنسان الحرية الداخلية للعيش بثقةٍ رغم الصعاب.

كما يربط المفهوم التوحيدي اليقين بالبعد الأخلاقي والسلوكي. 

فالخوف الذي يدفع إلى الكذب، أو التملّص من الحق، أو التسليم للضعف، هو خوفٌ مضرّ. 

أما الخوف الذي يُترجم إلى ضبط النفس، صبرٍ، شجاعةٍ، وتحملٍ، فهو خوفٌ بنّاء. ومن هنا نستنتج أن الخوف يستعبد، واليقين يحرر، حتى في قلب الظروف الصعبة، لأنه يوجّه النفس إلى الالتزام بالحق، دون الرهبة من المظاهر الخارجية.

القرآن يربط اليقين بالوعي بالقدرة الإلهية في قوله: "أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"، وهو تذكير بأن الله خبيرٌ بقدرة الإنسان على التحمل، فلا داعي للذعر أو الاستسلام للقلق. 

هذا الإدراك يحوّل الخوف إلى مرشدٍ للتدريب على الصبر والتسليم الواعي، ويعزز الطمأنينة من الداخل، بحيث تصبح المخاطر الخارجية أقل تأثيرًا على النفس.

في البعد الروحي، مواجهة الخوف باليقين هي رحلة نضجٍ مستمرة. الإنسان الموحد يختبر الخوف لكنه لا يسمح له بالتحكم في إرادته، ويعيش الثبات والطمأنينة وسط الابتلاءات. 

فالقلب الموحد يقرأ الخوف كإشارةٍ إلى ما يحتاج إلى تقوية، وإعادة توجيهٍ، وتصحيحٍ، وليس كتهديدٍ دائمٍ أو عقوبةٍ.وهكذا، في رحلة الموحد، يصير الخوف طريقًا غير مباشرٍ إلى الحرية الداخلية، ومعبّرًا اضطراريًا إلى السكينة، لأنه يذكّر الإنسان في كل مرة أن الملاذ الحقيقي هو الذي لا يخيف، وأن القوة والطمأنينة الحقيقية لا تأتي إلا من توحيد القلب والاعتماد على الله. 

بهذا الفهم، يتحول الخوف من شعورٍ عابرٍ إلى تجربة تثري الروح، وتثبت اليقين، وتمنح القدرة على مواجهة الحياة بثباتٍ وحرية، مهما اشتدت الظروف، لتصبح الحياة اختبارًا لنمو القلب والفكر، لا مجرد تهديدٍ للوجود