لبنان… أرض الحضارات المتعاقبة منذ فجر التاريخ

لبنان  يُعد من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في العالم، ورغم  صغرمساحته الجغرافية إلا انها حملت عبر آلاف السنين إرثاً حضارياً استثنائياً. فموقعه على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ووقوعه على طرق التجارة القديمة بين الشرق والغرب، جعلاه بوابة و ملتقى للحضارات وموطناً لتفاعل ثقافي نادر لا يزال حاضراً في ملامحه حتى اليوم.

البدايات الأولى: 

ما قبل التاريخ ( الحضارات القديمة (ما قبل التاريخ – الألف الثالث ق.م)

تشير الاكتشافات الأثرية إلى أن الإنسان سكن أرض لبنان منذ العصور الحجرية القديمة، حيث عُثر على أدوات حجرية وآثار استيطان بشري في عدة مناطق ( نهر الكلب وجبيل)، ما يؤكد أن هذه الأرض كانت جزءاً من المسار المبكر للحضارة الإنسانية.

الكنعانيون والفينيقيون: هوية البحر (حوالي 3000 – 539 ق.م) 

مع مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، برز الكنعانيون، الذين عُرفوا لاحقاً باسم الفينيقيين، كأهم حضارة نشأت على الساحل اللبناني. 

أسسوا مدناً مزدهرة مثل جبيل، صيدا، صور، وبيروت، وإشتهروا بالملاحة البحرية والتجارة العابرة للبحار. 

ويُنسب إليهم إبتكار الأبجدية الفينيقية، التي شكّلت أساس معظم الأبجديات الحديثة، ما جعل إسهامهم أحد أعظم المنجزات الحضارية في التاريخ، ولا ننسى صناعة الارجوان والزجاج.

العصور الإمبراطورية: 

بين السيطرة والتأثير الإمبراطورية الآشورية (حوالي 900 – 612 ق.م)  الإمبراطورية البابلية (612 – 539 ق.م) الإمبراطورية الفارسية الأخمينية (539 – 332 ق.م)  

تعاقبت على لبنان قوى كبرى مثل الآشوريين  التي  سيطرت  على مدن الساحل  اللبناني  وفرضت  الضرائب  والجزية . 

ثم جاء البابليين  حكمها نبوخذ نصر الثاني حيث شهدت بعض المدن تدميراً جزئياً ونقل سكانها ، وإحتفظ الفنيقيون بنوع من الاستقلال التجاري.  

وبعدهم جاء الفرس الأخمينيين، الذين سمحوا للفينيقيين بهامش من الاستقلال مقابل دعمهم البحري. 

وعلى الرغم من هذه السيطرة، حافظت المدن اللبنانية على دورها التجاري والثقافي. 

العصر الهلنستي: التأثير اليوناني(332 – 64 ق.م) 

مع دخول الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد، دخل لبنان العصر الهلنستي، حيث امتزجت الثقافة المحلية بالفكر اليوناني،حيث ظهرت تأثيرات جديدة في الفنون، العمارة، واللغة. 

العصر الروماني(64 ق.م – 395 م) والبيزنطي(395 – 636 م): 

ذروة الازدهار 

يُعدّ العصر الروماني من أكثر الفترات إزدهاراً في تاريخ لبنان. 

شُيّدت المعابد الضخمة مثل معابد بعلبك، وإزدهرت المدن، وأصبحت بيروت مركزاً عالمياً لدراسة القانون. 

ومع إنقسام الإمبراطورية، إستمر الحكم البيزنطي، وإنتشرت المسيحية وإزدهرت المدارس الدينية، وبُنيت الكنائس والأديرة التي ما تزال شاهدة حتى اليوم. 

الفتح العربي الإسلامي: تحوّل حضاري (636 م) 

في القرن السابع الميلادي، دخل لبنان مرحلة جديدة مع الفتح العربي الإسلامي، فأصبحت العربية اللغة الأساسية، وإنتشر الإسلام إلى جانب الديانات الأخرى، وشهدت البلاد تفاعلاً حضارياً جديداً انعكس في العمران والثقافة. 

العصور الوسطى: 

الصليبيون والمماليك العصور الوسطى–

الصليبيون (1098 – 1291) والمماليك  (1291 – 1516) 

خلال القرون الوسطى، شهد لبنان وجوداً صليبياً ترك خلفه قلاعاً وحصوناً لا تزال قائمة، مثل قلاع طرابلس وصيدا. 

ثم جاء العهد المملوكي الذي أنهى الوجود الصليبي وأعاد الاستقرار إلى المنطقة، مع إزدهار التجارة والعمارة الإسلامية. 

العهد العثماني: إستمرارية طويلة  (1516 – 1918) 

خضع لبنان للحكم العثماني لأكثر من أربعة قرون ( 400 سنة)، وتميّز جبل لبنان خلال هذه الفترة بنوع من الحكم الذاتي، ما ساهم في الحفاظ على خصوصيته الاجتماعية والثقافية ،وتشكّل نسيجه المتعدد مع إزدهار الاقتصاد والزراعة.

العصر الحديث: 

من الانتداب الفرنسي إلى الاستقلال  (1920 – 1943) 

بعد الحرب العالمية الأولى، وُضع لبنان تحت الانتداب الفرنسي، وأُعلن قيام دولة لبنان الكبير عام 1920. 

وفي عام 1943، نال لبنان إستقلاله، ودخل مرحلة بناء الدولة الحديثة،محتفظاً بإرثه الحضاري العريق رغم التحديات وتطور التعليم والبنية الإداريةفيه.

 الاستقلال والعصر الحديث (1943 – اليوم) 

إستقلال لبنان عام 1943، مرحلة بناء الدولة الحديثة.

رغم الأزمات، بقي لبنان مركزاً ثقافياً وحضارياً في الشرق الأوسط. 

من دلالات الحضارات المتعاقبة  يثبت لبنان وتاريخه بالرغم من صغر حجمه هو متحفاً حياً للحضارات فكل مدينة وكل حجر وكل موقع أثري يروي قصة من فصوله ومن تاريخه الإنساني، أنه صاحب إرث حضاري بحجم العالم أجمع.

إن تاريخ لبنان ليس مجرد تسلسل زمني للحكام، بل هو قصة تفاعل حضاري مستمر، جعل منه جسراً بين الشرق والغرب، ومتحفاً حياً للحضارات. 

فكل مدينة، وكل حجر، وكل موقع أثري فيه يروي فصلاً من فصول التاريخ الإنساني، ويؤكد أن لبنان، رغم صغر مساحته، يحمل إرثاً حضارياً بحجم العالم.

@معلومات من عدة مصادر ومراجع