بحرالأبيض المتوسط بحيرة فاطمية

 

الأستاذ الشيخ مكرم المصري - 31- 1 - 2022

المقدمة 

كان البحر المتوسط عبر تاريخه الطويل مسرحاً لعبور مراكب الحرب والسلم بشكل لم تشهدها أي بقعة مائية في العالم حتى اليوم على الإطلاق، ففي قعره ترقد مئات السفن التي أغرقتها نيران حروب أشعلها قادة وزعماء دمروا في حروبهم ليس مراكب المحاربين فحسب بل الكثير منها التي كانت تحمل على متنها تجاراً وعلماء وأناسًا كانوا يتهاتفون الى تحقيق عيش كريم لهم وحياة أفضل.

 ومن الدول التي تركت بصمة خالدة فوق المتوسط، الدولة الفاطمية، التي كان لها هذا البحر ميداناً لمحاربيها الذين لم يتوانوا عن تحقيق حلمهم وهو جعل مياه هذا البحر بحيرة خاصة بهم وبدولتهم على غرار ما قامت به الإمبراطورية الرومانية، ولو تطلب العبور الى الضفة الأخرى من المياه من جزر ويابسة الدول المواجهة سعياً منها للإمساك بهذا الشريان الحيوي الذي يربط العالم القديم من جميع أطرافه، وكانوا في سبيل تحقيق هذا الهدف لهم أساليبهم السلمية أيضاً فقد كانت موانئ الفاطميين في مصر يوماً ما صلة الوصل بين تجار أوروبا وتجار الشرق الأقصى مروراً بمصر وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية. 

سأحاول في هذه الدراسة الإضاءة على تللك المراحل التي مرت بها الدولة الفاطمية وهي في ذروة مجدها والتطرق الى المصاعب التي تعرضت لها وهي تسعى إلى فرض سيطرتها على تلك المنطقة بما فيها من معطيات معقدة وشعوب تنتمي الى أعراق مختلفة من العالم . 

أولاً   التوسع الفاطمي في غرب المتوسط 

كانت جزيرة صقلية مركزاً للصراع بين المسلمين والروم في البحر المتوسط. وقد كان لإحتلال الفاطميين والقضاء على دولة الأغالبة فرصة سانحة لهم للسيطرة على صقلية التي كانت تعاني الأمرين من ولاة الأغالبة. بعد نهاية دولة الأغالبة ثار سكان صقلية وعينوا "علياً إبن أبي الفوارس " والياً عليهم وطلبوا من " عبدالله الشيعي " تأيديهم فكان لهم ما أرادوا . 

إلا أن عبيد الله المهدي كان يعتمد على بني كتامة أنصار المذهب الإسماعيلي فعزل إبن أبي الفوارس وعين ولياً أخر من بني كتامة مكانه، على أثر قرار العزل أُثيرت حفيظة السنة في صقلية فعملوا على طرده لإستبداده ولرفضهم أن يحكمهم بربري. ولّيّ علي بن عمر البلوي على جزيرة صقلية من قبل عبيدالله المهدي، وكان شديد التعسف فثار الناس عليه وعلى الدولة الفاطمية، وعينوا أحمد العربي والياً عليهم الذي أعلن ولاءه للعباسيين عام 920م وخطب للمقتدر العباسي. علِم عبيدالله المهدي مدى خطورة تدهور الأوضاع في صقلية فأرسل والياً جديداً ومعه جيشاً كبيراً للسيطرة على الجزيرة ومنع ولاتها وثوارها من تحقيق الإستقلال وهكذا عادت جزيرة صقلية الى حظيرة الدولة الفاطميية. 

سنة 942 م عين الخليفة المنصور والياً جديداً على صقلية إسمه الحسن بن علي الكلبي، وثبته على ولايته المعز. إستطاع الحسن أن ينتصر على الأمويين ثم على الروم، وأن يهدد أيطاليا ليلقي الرعب في نفوس أهالي الجزء الغربي في البحر المتوسط. على أثرخوف سكان صقلية من كلبي إضطر المسيحيين أن يطلبوا نجدة من الدولة البيزنطية التي لبت الدعوة فأرسل الأمبراطور قسطنطين الثاني جيشاً كبيراً إشتبك مع جيش كلبي، دارت معركة كبيرة بينهم وتمكن الفاطميين من هزيمة الأمبراطور البيزنطي هزيمة ساحقة وأرغموا الأمبراطور على طلب الهدنة. 

على أثر انتصار الفاطميين وهزيمة البيزنطيين في صقلية استمر المدّ الفاطمي بالحوض الغربي للمتوسط، فتمكن الفاطميين من السيطرة شمالي أفريقيا بإستثناء بعض نقاط الحصينة للأمويين، كما سيطر الفاطميين على بعض الجزر في المتوسط مثل سردينيا – كريت – صقلية . وحاول فتح الأندلس أوعلى الأقل تحيد الصراع بين الفاطميين والعباسيين حتى يتمكن الفاطميين من دخول مصر وبداية التوسع نحو الشرق حتى يستطيعوا السيطرة على شاطئ المتوسط.


 ثانيًا الخلافة الفاطمية في عهد المعز وبدء التوسعات

 إستلم المعز الخلافة الفاطمية وأول ما قام به محاولة إستمالة المصريين بنشر الدعوة قبل البدء بالحملات العسكرية وقد نجح في كسب ودّ بعض كبار رجال الدولة والموظفين. على أثر وفاة كافور سنة 970 م ساءت الأحوال في مصر وأصبحت مسرحاً للفوضى والقحط والجفاف من جراء إنخفاض منسوب مياه النيل مما دفع أعيان مصر الى الكتابة إلى الخليفة الفاطمي المعز، يطلبون منه النجدة لإنقاذهم من الحالة التي وصلوا اليها. وجد الخليفة المعز أن الفرصة أصبحت سانحة للإستيلاء على مصر فطلب من جوهر الصقلبي قيادة حملة عسكرية إنضم تحت لوائها العديد من المشايخ وكبار الأئمة. 

ثالثاً حملة جوهر الصقلبي على مصر

 سارت حملة جوهر الصقلبي الى مصر عام 971م، عندما وصلت إلى برقة قدم أهلها فروض الولاء والطاعة، ثم تابعت الحملة سيرها بإتجاه الإسكندرية فدخلتها بدون أي مقاومة. وعند وصول الحملة إلى الفسطاط علم الوزير إبن الفرات بالأمر فجمع أصحاب الرأي في مصر وتشاور بالأمر وإستقر الرأي على مفاوضة الفاطميين. على أثر المفاوضات كتب جوهر تعهد منح به المصريين الإحترام والمحافظة على أديانهم ومذاهبهم. ولكن أهل الفسطاط وبعض أنصار الإخشيدين والكافوريين رفضوا الصلح وقرروا محاربة الفاطميين. دار القتال بين الطرفين فقتل من جند مصر أعداد كبيرة، عندها إقتنع المصريين أنه لا بد من التسليم لجوهر وللجيش الفاطمي، فهدأت الحال وعادت الحياة لما كانت عليها. 

بعد أن بسط جوهر نفوذ الدولة الفاطمية في مصر وبناء مدينة القاهرة، علم بنية أهل الشام وبأنهم يستجمعون قواهم ليعاودوا غزو مصر. فبعث جوهر للخليفة الفاطمي المعز أن يحضر الى القاهرة بعد أن تم بنائها ليتخذها عاصمة للدولة بدلاً من المهدية ليكون على مقربة من الشام فرأى المعز الحكمة في هذا الطلب. حضر المعز الى مصر واصطحب معه وزرائه وجيشه عام 973م. وأعلن أن أرض مصر أصبحت مقراً لدار الخلافة الفاطمية، وبإعلان الخلافة في مصر تكون الدولة الفاطمية قد سيطرت على جزر غرب المتوسط وبسطت نفوذها على كامل الحدود البرية والبحرية لجهة شرق المتوسط.

 رابعاً التوسع الفاطمي نحو بلاد الشام 

بعد أن إستقرت الأمور في مصر، انتقل صراع الفاطميين مع دولة القرامطة في الشرق، فقد غزا القرامطة بدعمٍ بويهي ٍ مصر عدة مرات، وكادوا يصلون القاهرة ، لكنّ جوهر الصقلبي نجح بصد هجماتهم. وخلال السنوات الآتية أخذ الفاطميون بالتوسع تدريجياً على حساب القرامطة وباقي الدول الأخرى في المنطقة، فتمكنوا من السيطرة على بلاد الشام في سنة 973 م من الحسين القرمطي حاكم القرامطة، وضموها حتى مدينة حلب شمالاً بعد القضاء على دولة الحمدانيين، واستولوا على الحجاز بعد هزيمة قادتها . 

برأي المتواضع كمؤرخ للمرحلة الوسيطة وباحث في التاريخ الحديث والمعاصر فأقول: أن الدولة الفاطمية ضمت جزيرة صقلية وسردينيا وكريت في البحرالمتوسط  وإستطاعت بالقوة والأسطول البحري أن تشكل حاجز خوف على موانئ وشواطئ جنوب إيطاليا والأندلس وانهم قدّ تمكنوا من السيطرة على المغرب والجزائر وليبيا وتونس ومصر كذلك سيطروا على شاطئ البحر الأحمر واليمن وبالتوسع الذي قام به جوهر الصقلبي بعهد المعز والسيطرة على بلاد الشام حتى عصر الحاكم بأمرالله فقد تحولت كافة الشواطئ المطلة على المتوسط تحت سيطرة الأسطول الفاطمي. وبهذه الطريقة يمكننا القول أن المتوسط أصبح بحيرة فاطمية أو شبه بحيرة فاطمية.