قهرُ البطالة!

الدكتورة صونيا الاشقر / كاتبة وباحثة وصحافية

14-7-2021

أصبحت البطالة رسالةً موجّهةً لكلّ فردٍ في لبنان. حيث بات رنينها الخبز اليوميّ. عقوبتها التمرّد والإحباط، نهايتها حالة هلع وخوفٍ شديدين من المستقبل. 

معظم النّاس، ولاسيّما الأجيال الصّاعدة، أجيال المستقبل، يعانون من مشكلة البطالة في لبنان!!!  فُرص العمل باتت ضئيلةً جدًّا. تُرى، هل هنالك مخرجٌ من هذه الدّوّامة المبكية المضحكة في آن معًا؟ وهذا السؤال يُطرح على كلّ شباب لبنان: هل باعتقادكم أنّ الإبداع في المهن النّاجحة يكون عن طريق التّخصّص الجامعيّ فقط؟ من قال لكم إنّ المركز الاجتماعيّ، هو فقط، حكرٌ على الطبيب، أو المهندس أو المحامي، أو المحاسب، أو المدرّس (الأستاذ)، أو مدير المؤسّسة...؟ 

هل نسيتم أنّ الاختصاصات المهنيّة نفتقد إليها اليوم؟ 

هل نسيتم أنّنا أصبحنا نفتقر إلى يدٍ عاملةٍ لبنانيّةٍ (Pure) في مجالات المهن الحرّة كلّها؟! 

وهنا أيضاً أريد أن أطرح سؤالاً عليكم يا أجيال المستقبل: إذا أراد أحدكم أن يبني بيتاً، أو مصنعًا، أو «سنتر تجاري»... بالطّبع، إنّكم ستجدون مهندسين كثرًا لتصميم المشروع، لكن، هل باستطاعتكم أن تجدوا بهذه السّهولة (معلّم عمار، أو بلاّط، أو سمكري، أو نجار، أو حدّاد، او صناعيّ...) من أصلٍٍٍ لبنانيٍّ؟ بالطّبع لا! مع العلم أنّ أصحاب هذه المهن يتقاضون مبالغ باهظة. 

وهل يُعتبر تعلّم مهنة واحدة من هذه المهن «حَرفاً ساقطاً؟» في المجتمع، أو «عيبًا»! يا لسخريّة القدر. أصحاب المهن الحرّة، هم أساس الوطن، هم الرّكيزة الاقتصاديّة. مال العمران، مال مقدّس، فلماذا نسمح للآخرين الاستفادة من أرباحٍ باهظةٍ، بدل أن يستفيد منها أبناء الوطن؟ 

 لِمَ البكاء على الأطلال؟  لِمَ لا نحارب البطالة في بلدنا، بدلاً من تشجيع شبابنا على الهجرة والانتشار؟ لماذا هاجسنا الدائم السّفَر والأحلام المزخرفة؟ هل وظيفة الـ (Waiter) في بلاد الاغتراب أهون من العمل في أيّ مهنةٍ حرّةٍ على أرض الوطن؟  هل هذه هي التّربية التي ورثناها عن أجدادنا؟!.

 إنَّ "السّويد" اليوم هي من أرقى الدّول في العالم، وتمثّل قِمّة التطوُّر والانفتاح على العالم، وتصنّف الدّولة الأولى التي تشجّع المهن في أشكالها كلّها، ضمن معاهد متخصّصة للتّعليم وبتقنيّاتٍ متطوّرةٍ جدًّا، كما أنّها تعمل على توزيع الاختصاصات على الطّلاّب ضمن نطاق قدرة استيعابهم للمهن. من هنا نرى أنّها الدّولة الوحيدة التي تعيش حالة التّوازن الاقتصاديّ ­ إلى حدٍّ بعيدٍ ­ في العالَم! حيث يعيش الإنسان الجنّة على الأرض.  

إقتصادها متعلّقٌ بكلّ مواطنٍ من مواطنيها.  أنظمتها مبرمجةٌ، لأنَّ شعبها اعتاد على الاحترام المتبادل، والمحافظة على البيئة، والمشاركة، لا يعرف الفروقات الطبقيّة، ولا يتعايش معها، لأنّ كلّ مواطنٍٍ في "السّويد" بحاجةٍ إلى الآخر. 

التّضامن، هو منبع القوّة، والتّطوّر والاستقرار!!! تواضعوا... تواضعوا... لبنان في حاجةٍ إلى سواعدكم.  ألعلم نورٌ لا مفاخرةٌ، والاختصاصات المهنيّة تمنح الكفاءة للعمل، وليس من الضّروريّ تجزئتها وتحديدها فقط على الصّعيد الجامعيّ. 

ساعدونا، وكونوا قدوةً للتّواضع والبنيان.  أحبّوا لبنان، أحبّوا أرض أجدادكم.  إجعلوا عرق جبينكم كنزًا يطول الأرض الظّمأى التي ترويها لمسة حنان من أياديكم. بدّلوا اليباس بالاخضرار.  مكّنوا الرّاحة والهدوء في براعم الأزاهير.  كرّسوا أوقات فراغكم في احتضان غصون الأشجار، لكي تستعيد نشاطها من جديد.  إحترموا جذوعها، لأنّها وَحدَها مداميك بنيان لبنان.