"من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب" إنه الحاكم بأمر الله


ايمان أبو شاهين يوسف - 6-7-2023 

   قال احد الفصحاء: أعقل لسانك إلاّ عن حقّ توضّحه، أو باطل تدحضه، او حكمة تنشرها، او نعمة تذكرها. 

وقال آخر: كن صامت إذا وجدت الجميع يتحدث، فالوقور اذا تحدث سكت الجميع. 

أمّا الوقار فهو أدب، وعقل، ودين، وعلم، ورزانة، وخُلق لكل زمان. إنّه سكون النفس وثباتها، وحكمة العقل ورجاحته. وذو الوقار هو من اهل الصلاح الذين يسعون للخير وحلّ المشكلات دون ضجيج. 

تقول الحكمة: إذا كنت محظوظا، مؤمنا وموقراُ، سيهمس الله في أذنك ليُسكت الشكوك في رأسك. 

ولأن الحاكم بأمر الله كان محظوظا، مؤمناً، وموقّراً فقد همس الله جل وتعالى في اذنه وأسكت الشكوك والتهوّر في رأسه لينعم عليه بنعمة الايمان والوقار والثقة بالنفس، وقوة الإرادة، والولاء للصدق، والوفاء. وعلى هذا اقام حكمه وتعامله مع الناس واولاهم ثقته ومحبته وكل ما كان يطلبه هو الصدق في تحمّل المسؤولية والاخلاص في العمل والعلاقة مع الاخرين، شرط ان يكون هذا الإخلاص حقيقي ومتأصل. فمن افلح نال محبته وتقديره ومن خاب فيتحمل مسؤولية دسّه وفساده. وهذا ما يعرف بالعدل. 

قال تبارك وتعالى:

 " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هَوَنا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً" (الفرقان: 63)

 في هذه الآية الكريمة يصف الله عباده المكرمين وأولياءه الصالحين، فكانت أول صفة امتدحهم فيها هي صفة الوقار. ثمّ قال يمشون هونا على الأرض، أي بسكينة ووقار بغير جبرية ولا استكبار، لكن لا يعني ذلك بضعف وتصنّع.

 ثم قال إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، وهذا يعني ان المؤمن لا يعرض نفسه لشطط الجاهلين لذلك عليه بالحكمة والحنكة في التعامل معهم وهذا ما فعله الحاكم بأمر الله في تعامله مع القوم الجاهلين أمثال ابومحمد بن عمّار وأرجوان أبو الفتوح اللذين وكلا بمساعدة الحاكم عند توليه الحكم وكان ما زال في سن الحادية عشرة ، فما كان منهما الاّ ان طمعا بالحكم وظنّا بانهما يستطيعان الاستيلاء عليه بسبب صغر سن الخليفة وراحا يتقاتلان على توسيع سلطتهما وكانت الغلبة لأرجوان الذي لم ينتبه ان الحاكم بلغ سن الصبا أي الخامسة عشر واصبح من حقه ان يدير شؤون الحكم  فجنح للطغيان والاستبداد ونصّب نفسه الخليفة الفعلي ثم صفح عن ابومحمد بن عمار وأعاد اليه مقاطعته شرط الولاء له بعد ان نصّب نفسه الخليفة الفعلي. 

امّا الحاكم بأمر الله فكان من عباد الرحمن المؤمنين الذين يتبعون سياسة: نحن لا نعتدي على احد لكن لا نقبل ان يعتدي احد علينا. لذا اخذ القرار الذي كان سيأخذه أي حاكم اخر في هذا الموقف وطلب من جنوده التخلص منهما. 

كما ردّ على مرسوم العباسيين الذي صدر عام 1011 والذي ينفي نسب الحاكم بأمر الله والفاطميين الى آل البيت بما يتناسب مع هذا التجني والاتهام للحفاظ على مقامه وكرامته، وهم الذين كانوا على نزاع دائم مع الفاطميين ... 

أمّا الحاكم بأمر الله فقد كان يرضى بقضاء الله وقسمته التي قسمها له، ويسلّم اموره كلها لله سبحانه وتعالى، وذلك لأنه لا يمكن ان يحدث أي شيء إلاّ بإرادته عزّ وجل. 

ويتميّز الحاكم بأمر الله بقوّة الشخصية وله من التصميم والعزم ما يمكنه القيام بما يطلب منه من عمل حق وصلاح، كما بتميّز بانه مستمع جيّد للآخرين مع قدرته على قول كلمة لا اذا رأى من الصواب ذلك، كما يتقبّل كلمة لا اذا كان الاخر له الحق بذلك.

 أمّا إصغاءه الجيد بتركيز وامعان للآخرين كان يسهّل عليه فهمهم وقراءة أفكارهم جيدا، كما كان له القدرة على جذب الاخرين لآنه يحسن استعمال مقولة: لكل مقام مقال. 

هذا الاستقراء الذي كان يتميّز به سهّل عليه فهم طبيعة التعامل مع ما واجهه من مشاكل وصعوبات  ومنها عام 1005 في مواجهة أبو ركوة الذي اثار الفتن والشغب في وجه الخليفة الفاطمي، وهو الذي ولد في الاندلس وكان يتبع في نسبه لبني امية واسمه الوليد بن هشام وكان يزعم بانه سيستعيد ملك ما ملكه أباءه ودعا الناس الى مبايعته وأعلن نفسه امير للمؤمنين الناصر لدين الله .وبعد عدة هجومات على مناطق مختلفة من مصر قرر الحاكم استدراجه ونجح بذلك بعد ان دخل القيوم ونهبها فوقع بالأسر ونفذ فيه الإعدام شأنه شان أي قائد خاض حربا وانهزم. 

ومنذ ان تولى الحاكم بأمر الله شؤون الحكم بعد ان بلغ الخامسة عشر من العمر اثيرت بوجهه الكثير من الحروب والمصاعب ومنها حرب القرامطة على مصر، ولكن الحاكم بأمر الله ورغم صغر سنه فقد كان يحسن معالجة الخطوات والمشكلات ويعرف جيداً كيف يتعامل معها. فكان يتحلّى بالصبر ويعمل بروية وعقلانية وهدوء لتجاوز المحن والتحديات المستعصية. وكان لا يخاف من النقد، بل يعتبره مفيدا له لأنه يكشف له عن خطأ غير ظاهر او كان غافلا عنه. 

أمّا الأحقاد والغدر التي يبديها الاخرون تجاهه فكان يعتبرها انها إشارة من الله لتدريبه على كيفية التعامل مع جميع أنواع الخصومات والشخصيات المختلفة، ولم يكن يطلق احكامه مطلقا بناء على سوء الظن، بل كان يتأكد منها قبل الحكم عليها. لذا استطاع بحكمته وحنكته ان يهزم القرامطة الذين هاجموا مصر لاحتلالها عام 971 أي بعد سنة واحدة من توليه الخلافة، ظنا منهم انه الوقت المناسب لتحقيق حلمهم باحتلال مصر بسبب صغر سن الخليفة. لكن الخليفة كان يحسن اختيار قادة جيشه ويكرمهم ويطمئنهم ويثق بهم لذا استطاع جنود الحاكم بأمر الله انزال الهزيمة بالقرامطة الذين فرّوا خائرين عن ارض مصر.

 الحاكم بأمر الله صاحب نفس مطمئنة هادئة رصينة لا يؤثر فيها عداوات او انتقادات او مكائد، بل كان دائما يضع الأمور في نصابها، لذا كسب احترام الكبير والصغير. 

كان يركّز كثيرا على الولاء ويعتبره من اهم القيم الأخلاقية في التعامل مع الاخرين لان الولاء يجمع الصدق، والأمانة، والإخلاص، والتفاني وتحمّل المسؤولية تجاه الاخرين. 

أمّا الصدق فهو سند الدين وهو الركيزة الأساسية في العلاقة مع الاخرين وذلك لأن نتيجته إيجابية واضحة للجميع. 

وكان يؤثر الدقة والنظام على الفوضى والإهمال ولم يكن يغض النظر عن التفاصيل الدقيقة التي قد يعتبرها الآخرون تفاصيلا غير مهمة. 

كما كان يهتم جدا بالاستقامة والضمير الحي في العمل، واذا أعطى ثقته لشخص ما، فهو لا يتساهل ابدا معه اذا لم يبد استقامته او لم يعمل بدقة وصدق ومسؤولية في أداء مهامه وهذا ما كان يعرضه للمساءلة حيث يُحكَم عليه بدون تهاون. وهذا ما حصل مع كثيرين من الموظفين والمسؤولين بأمور مختلفة، وبالمنطق القانوني هذا تنفيذ للعدل وتطبق للأحكام القانونية. 

قال ابن القيُم: من انعم الله عليه بالوقار ألبسه السكينة التي تثمر الخشوع في قلبه، وتجلب الطمأنينة في جوارحه وتنطق لسانه بالصواب والحكمة. كما انعم عليه باتباع آثار الأنبياء والصالحين، والخشوع في الطاعات والاكثار من الصالحات، وطلب العلم، وتعظيم الحرمات، والبعد عن الطيش والنزق. 

وهذا ما انعم به الله عزّ وجلّ على الخليفة الحاكم بأمر الله الذي خلع عن نفسه الحرير السندسي والجواهر الذهبية والماسية التي كان يلبسها الحكام والخلفاء امثاله، وعاش حياة زهد وخشوع. ولبس ملابس خشنة من الصوف وخفف من الاسراف الذي كان يحدث في المناسبات والاحتفالات وحوّله الى خزينة الدولة فارتفعت المداخيل وزاد الخير على الناس.

 كما أخرج من قصره الحظايا واعتق سائر مماليكه من الإناث والذكور وملّكهم امر نفسهم والتصرف بما يملكون كما افرغ قصره من الطنافس والسجاد وكافة المفروشات الفاخرة واكتفى بابسطها من البسط والفرش. وقد اصدر مرسوما بإصلاح المكاييل والموازين وانهى عن البخس فيهما... 

اما ما يشيع عنه حول بعض القرارات فهي للتشهير به وتشويه صورته امام الناس وماذا اذا اخذ القرار مثلا بمنع أكل الملوخية ألا يمكن ان تكون حينها مصابة بمرض او فايروس مضر بصحة الانسان؟؟؟ 

لماذا نتقبل اليوم منع اكل الدجاج مثلا بسبب اصابته بأنفلونزا الطيور او منع اكل لحوم البقر بسبب مرض جنون البقر او غيره الكثير من الامثال ولا نتقبل منعه لأكل الملوخية؟؟؟

 فالحاكم بامر الله لم يكن جاهلا او متهورا وهو الذي كان يقضي معظم وقته بطلب العلم والصلاة ومناجاة الله وتسبيحه ومراقبة آياته العظيمة كالكواكب والنجوم. 

وهو الذي استطاع ان يحكم مدة 25 سنة في اصعب مرحلة من تاريخ الحضارة العربية واستطاع بحلمه وحكمته ان يواجه جميع المكائد والحروب والصعوبات الداخلية.

 وكان شعاره: ازرع الصدق والرصانة تحصد الثقة والأمانة. 

ذلك لأن الصدق عمود الدين وركن الادب واصل المروءة، واشعاع الضمير، وربيع القلب والثقة بالنفس. والصدق صفة من صفات الله "الصادق". 

ولآنه من المهتمين جدا بالعلم فقد شيّد دار الحكمة في مصر عام 1005 وجعلها منارة للعلم والمعرفة واستقدم اليها فطاحلة علماء ذلك الزمان، كما اكمل بناء الجامع الازهر عام 1013 وجعله المركز الرئيسي للخطبة والصلاة، كما جعله منارة للعلم والعلماء وكان يزوره دائما ليستمع للمحاورات ويستفيد من راي العلماء. كما كان محبا لعلم الكيمياء والرياضيات، والادب، والنجوم، وغيره. وانشأ المدارس العديدة ومنها مدرسة خاصة للبنات وهي اول مدرسة في التاريخ أنشئت خصيصا للفتيات. 

امّا ما يتم تناقله من اخبار ومحاولات عن الحاكم فهي مجرد تجني من اجل تشويه صورته. والدليل على ذلك انها لم تذكر في مرجع من مراجع فترة الحكم الفاطمي. وان المؤرخين المصريين الذين كتبوا تاريخ الفاطميين سواء كانوا من المؤيدين او المعادين لم يذكروا في مراجعهم شيء من هذه الشائعات وكلّها كتبت بعد فترة طويلة من انتهاء الحكم الفاطمي وعلى يد كتاب من خارج مصر. ومن كتب عن الحاكم بأمر الله من المؤرخين في مصر على كافة اهوائهم كتبوا في فترة الحكم المملوكي أي بعد زمن طويل على نهاية الحكم الفاطمي وهذا ما يؤكد الشخصانية في الكتابة التي ومهما كانت بريئة فيدخلها الانا لذات الكاتب وتخسر حسب العلم على الأقل 45% من المصداقية.

 وعن ادعاء الوهية الحاكم بأمر الله فهذا أيضا افتراء وتجني وقد رفضه الحاكم بأمر الله والدليل على ذلك هو ختمه الذي رافقه طيلة مدة حكمه والذي يوجد على كل المراسيم والمعاملات الصادرة عنه والذي يقول: "بنصر العلي الولي ينتصر الامام أبو علي".  أي بنصر الإله العلي ينتصر الخليفة أبو علي. 

وهذا يؤكد ان كلّ ما قيل حول الحاكم بأمر الله عن الألوهية كان تجني وافتراء وهو من كلّ ذلك براء. 

وأخيرا نقول: العلم بالشيء وقار والجهل سفهٌ فتعلّموا. 

المراجع

- كتاب الحاكم بأمر الله وأسرار العقيدة الفاطمية (pdf) 

- الحوار المتمدن- موقع الكتروني. (من خفايا التاريخ: أبو ركوة الاموي يثور على الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله – أحمد صبحي منصور. 

- الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله ونظرة المفكرين المحدثين العرب والمستشرقين- موقع   blogger - الكتروني. 

- الحاكم بأمر الله – عربي بوست موقع الكتروني. 

- كتاب موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام. 

- كتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار- المقريزي- طبعة بولاق 1272 هجرية. 

- مقال عن الحاكم بأمر الله- ويكيبيديا 12/6/23. 

- مقال عن الحاكم بأمر الله – المعرفة.