
الدكتورة جميلة مرابط
خبيرة في شؤون الاستراتيجيات
والسياسات الطاقة والاستدامة البيئية
تشهد المنطقة تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق بين إيران وإسرائيل، تصعيدًا تجاوز كونه مواجهة ثنائية ليصبح اختبارًا حقيقيًا لمرونة النظام الطاقي العالمي. فمع تصاعد التهديدات للممرات البحرية الحيوية وفي مقدمتها مضيق هرمز، برزت من جديد هشاشة شبكة تدفقات الطاقة العالمية، ليس فقط من حيث الأسعار، بل من حيث بنيتها الهندسية العميقة.
غير أن قراءة الأزمة بوصفها مجرد اضطراب في مضيق واحد تختزل المشهد؛ إذ تكشف التطورات الراهنة أن النظام الطاقي الدولي قائم على مجموعة نقاط اختناق استراتيجية تشمل أيضًا باب المندب وقناة السويس ومضيق ملقا، وهي عقد تتحكم في تدفق جزء كبير من النفط والغاز والتجارة العالمية.
تكشف الحرب الراهنة عن خلل بنيوي يتمثل في تركّز المخاطر بدل توزيعها. فالهندسة الحالية للنظام الطاقي العالمي تعتمد على تمركز الإنتاج في مناطق محدودة، واعتماد مفرط على النقل البحري عبر مسارات ضيقة، مع ارتباط وثيق بين الجغرافيا السياسية واستقرار التدفقات.
هذا التصميم يجعل أي اضطراب أمني أو عسكري في نقطة معينة ينتج أثرًا متسلسلًا يمتد إلى الأسواق المالية، وسلاسل التوريد، ومعدلات التضخم، والاستقرار الاجتماعي في الدول المستوردة. وهكذا تتحول الحرب من حدث إقليمي إلى صدمة نسقية عالمية.
بالنسبة للدول المصدّرة، ورغم ما قد يبدو من مكاسب ظرفية نتيجة ارتفاع الأسعار، فإن الأزمة تكشف تحديًا أعمق يتعلق بموثوقية الإمداد.
فتعطّل الملاحة أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن يهدد ثقة الشركاء التجاريين، ويدفع المستوردين إلى تسريع استراتيجيات التنويع والبحث عن بدائل طويلة الأمد.
وبهذا المعنى، لا تكمن الخطورة في تراجع الصادرات الآنية فحسب، بل في إعادة تشكيل خريطة الطلب العالمي بما قد يُضعف المكانة الاستراتيجية لبعض المصدّرين مستقبلاً.
أما الدول المستوردة، فتجد نفسها أمام انكشاف مزدوج: ارتفاع في الأسعار من جهة، وتهديد لاستقرار الإمدادات من جهة أخرى. الاقتصادات الصناعية الكبرى، خصوصًا في آسيا وأوروبا، تعتمد بدرجات متفاوتة على تدفقات الطاقة القادمة من مناطق التوتر. ومع كل تهديد للممرات البحرية، يتزايد الضغط على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وترتفع كلفة الإنتاج، وتتسع الضغوط التضخمية.
أما الدول النامية المستوردة للطاقة، فإنها تتحمل عبئًا أشد وطأة، حيث تتحول الأزمة إلى ضغط مباشر على الميزانيات العامة، وتفاقم عجز الميزان التجاري، وتزايد احتمالات الاضطرابات الاجتماعية.
غير أن الأهمية التحليلية للحرب لا تكمن فقط في آثارها المباشرة، بل في كونها تكشف عن فلسفة تصميم النظام الطاقي العالمي ذاته. فهذا النظام ما زال قائمًا على منطق القرن العشرين: موارد أحفورية متركزة جغرافيًا، تُنقل عبر ممرات بحرية محدودة نحو مراكز استهلاك بعيدة، في إطار يفترض استقرارًا جيوسياسيًا نسبيًا.
ومع أن أدوات الذكاء الاصطناعي تُستخدم في تحسين الكفاءة التشغيلية وإدارة الأسواق، فإن إعادة هندسة الشبكة الطاقية عالميًا لم تتم وفق مقاربة استباقية تدمج محاكاة الصدمات الجيوسياسية ضمن عملية التصميم البنيوي.من هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق “حماية نقاط الاختناق” إلى منطق “إعادة توزيع العقد”. فالذكاء الطاقي النسقي، بوصفه إطارًا تحليليًا واستراتيجيًا، يقترح إعادة تصميم شبكة تدفقات الطاقة العالمية على أساس تعددية العقد (Multi-Nodal Architecture)، بحيث لا تصبح أي نقطة جغرافية عنصرًا حاسمًا في استقرار النظام بأكمله.
ويعني ذلك تنويع مسارات التصدير، وتعزيز خطوط الأنابيب البرية، وتوسيع شبكات الربط الكهربائي الإقليمي، وتسريع توطين الطاقات المتجددة بما يقلل الاعتماد على النقل البحري المكثف.كما يقتضي الذكاء الطاقي النسقي دمج أدوات النمذجة التنبؤية في التخطيط الاستراتيجي، عبر محاكاة سيناريوهات إغلاق الممرات أو تصاعد النزاعات، وتقدير آثارها المتسلسلة على العرض والطلب والأسعار والاستقرار الاقتصادي.
في هذا الإطار، يتحول الأمن الطاقي من مفهوم قائم على تخزين الكميات وحماية المسارات إلى مفهوم يرتكز على إدارة التدفقات، وتوزيع المخاطر، وتعزيز مرونة الشبكة.
تكشف الحرب الراهنة، إذن، أن النظام الطاقي العالمي مصمم وفق منطق الاختناق لا منطق المرونة.
وكلما تكررت الصدمات، تأكدت الحاجة إلى إعادة تصور هذا النظام على أسس أكثر توازنًا وعدالة واستباقية. إن التحول الطاقي لم يعد خيارًا بيئيًا فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية لإعادة توزيع القوة الجيوطاقية وتقليص هشاشة الاقتصاد العالمي أمام النزاعات الإقليمية.
وفي هذا السياق، يمثل الذكاء الطاقي النسقي انتقالًا من جغرافيا القوة إلى هندسة المرونة، ومن إدارة الأزمات إلى تصميم نظام قادر على امتصاصها وإعادة إنتاج استقراره.