
يُعدّ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325، الصادر في 31 تشرين الأول 2000، من أبرز القرارات التاريخية التي أرست اعترافاً دولياً صريحا بالدور الجوهري للمرأة في قضايا السلام والأمن، وبأهمية حمايتها وتعزيز مشاركتها الفاعلة في صنع القرار وعمليات منع النزاعات وحلّها.
ولا شكّ أن حقوق الإنسان حقوقٌ مقدّسة لكل كائن بشري، وأي قرار يُنصف الإنسان في أبعاده الاجتماعية، والثقافية، والمعيشية، والاقتصادية، والسياسية، إنما يشكّل خطوة أساسية نحو بناء أسس إنسانية عادلة.
ومن هذا المنطلق، فإن القرار 1325 لا يُعدّ غاية بحدّ ذاته، بل خطوة تمهيدية لتمكين المرأة، وإستعادة حضورها التمثيلي، ونشر ثقافة قبولها كشريك كامل في مراكز القرار، بما يساهم في إخراجها من دوّامة التهميش، وصون هويتها وكرامتها، لا سيما في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
رغم ذلك، يجدر التذكير بأن الشريعة الإسلامية قد سبقت التشريعات الدولية في حفظ حقوق المرأة وكرامتها، بدءاً من دورها المحوري كأم داخل الأسرة، وصولاً إلى إسهامها في المجتمع والشأن العام، وهو ما يتجسّد في المقولة الشهيرة:
"الأم مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعبًا طيب الأعراق."
المرأة وصناعة السلام
يمكننا الجزم بأن نجاح عمليات السلام والحدّ من النزاعات لا يتحقق دون مشاركة النساء مشاركة حقيقية وفاعلة، سواء في مراحل الوقاية من النزاع، أو أثناء المفاوضات، أو في إعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات.
ولا يمكن تحقيق هذا التقدّم إلا عبر معالجة مجموعة من التحديات الأساسية التي تعيق تنفيذ القرار 1325 على أرض الواقع.
1325 أبرز التحديات التي تواجه تنفيذ القرار
أولاً: الحماية والتمكين
تأمين الحماية الكاملة للنساء والفتيات من جميع أشكال العنف والإكراه، سواء الجسدي أو المعنوي أو الاستغلال، وضمان الدعم الاجتماعي والنفسي دون أي تمييز.
تعزيز قدرة المرأة على المشاركة في صنع القرار والحياة السياسية، وتأكيد حقّها في تولّي مناصب قيادية دون تعرّضها لأي ضغط أو تهديد، في ظل إستمرار مظاهر التهميش، وحرمانها من حق التعليم وحرية الاختيار في بعض المجتمعات.
تُظهر الدراسات الدولية أن مشاركة النساء في مفاوضات السلام تزيد من فرص إستدامة الاتفاقيات بنسبة تصل إلى 35%، نظراً لما تتمتع به المرأة من قدرات تنظيمية وفكرية تمكّنها من إدارة ملفات متعددة في آنٍ واحد.
كما أن نجاح القرار 1325 يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقيام الدول الأعضاء بإعداد خطط عمل وطنية، تبدأ من توحيد التشريعات الوطنية ومواءمتها مع الاتفاقيات الإقليمية والدولية ذات الصلة.
ثانياً: الإرادة السياسية والتشريعات
تحفيز الدعم السياسي الحقيقي، وتطوير النصوص القانونية التي تحمي المرأة وتردع أي إنتهاك بحقها.
مواجهة واقع العنف المستمر ضد النساء، لا سيما في مناطق النزاعات، حيث ما تزال النساء والفتيات يتعرّضن لجرائم الاغتصاب والاتجار بالبشر دون محاسبة جدية للجناة.
يشدّد القرار 1325 على مبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب كشرط أساسي لتحقيق العدالة والسلام المستدام.
ثالثاً: نشر ثقافة الحقوق
إدراج مفاهيم حقوق الإنسان وحقوق المرأة ضمن المناهج التعليمية، لترسيخ ثقافة المساواة منذ المراحل الأولى للتنشئة.
رابعاً: الخطة الوطنية المستدامة
وضع خطة وطنية شاملة تُبرز أهمية دور المرأة في مختلف مجالات العمل، وتأثير مشاركتها على المجتمع والبيئة، في مواجهة العادات والتقاليد التي ما تزال تُقيّد حضورها.
خامساً: التمثيل والمشاركة العامة
تردّد عدد كبير من النساء في خوض الشأن العام، وضعف تمثيلهن في مفاوضات السلام وصنع القرار، نتيجة الصورة النمطية التي تعتبر المرأة عنصراً ضعيفاً يحتاج للحماية، بدل الاعتراف بها كشريك أساسي في الحلول.
سادسًا: التمويل
غياب التمويل الكافي والمستدام لدعم برامج المرأة في مجالي السلام والأمن، خصوصاً في مناطق النزاعات، ما يشكّل أحد أكبر التحديات أمام تنفيذ القرار.
وفي الخلاصة ، لاشك إن التحديات التي تواجه تنفيذ القرار 1325 تُشكّل إشكالية بنيوية كبرى، ناجمة عن نقص في الأطر التنظيمية، وضعف في الأداء، وغياب التمويل، وقصور في آليات التنفيذ، ما يجعله في كثير من الأحيان إطاراً نظرياً أكثر منه ممارسة فعلية على أرض الواقع.
يبقى تمكين المرأة ليس مطلباً حقوقياً فحسب، بل ضرورة إستراتيجية لتحقيق السلام العادل والمستدام.
وأختم بما قالته رئيسة وزراء الهند الراحلة أنديرا غاندي :
"لا يمكن أن تصافح قبضة، ولا أن تحاور عقلًا متحجّراً."
@مصادر ومراجع عدة الكترونية وورقيةالمحامية أنديرا الزهيري - ناشطة حقوقية وإجتماعية ورئيسة لعدة جميعات حقوقية وقانونية