
تقرير مفصل حول الندوة الوطنية
أولاً: تقديم عام
في إطار الاحتفال بـعيد الشباب المجيد، وحرصاً على تعزيز النقاش العمومي حول قضايا تمكين النساء والشباب، تم يوم 19 غشت 2026 تنظيم ندوة وطنية بجماعة الزراردة تحت عنوان:
«تمكين النساء والشباب اقتصادياً واجتماعياً عبر آلية الإنصات والتواصل».
وقد شكلت هذه الندوة محطة وطنية متميزة، بالنظر إلى طبيعة الموضوع الذي تناولته، وبالنظر كذلك إلى مشاركة نخبة من الخبراء والباحثين والمتخصصين القادمين من مدن مغربية مختلفة، بما أضفى على أشغالها بعداً وطنياً وتنوعاً في المقاربات والخبرات والتجارب المعروضة.
ونظمت هذه الفعالية من طرف جمعية أواصر للتنمية والبيئة، بتنسيق مع السلطات المحلية، ومديرية التعاون الوطني، وجمعية الخيرية الإسلامية للمؤسسة الرعاية الاجتماعية دار الطالب والطالبة، وذلك في إطار الانفتاح على مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين وتعزيز التعاون من أجل خدمة قضايا التنمية المحلية وتمكين الفئات المستهدفة.
ثانياً: أهداف الندوة
جاء تنظيم هذه الندوة استجابة للحاجة المتزايدة إلى تعزيز مكانة النساء والشباب، ولا سيما في الوسط القروي، باعتبارهما من أهم مكونات الرصيد البشري القادر على المساهمة في تحقيق التنمية المحلية والمستدامة.
وقد سعت الندوة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، من أبرزها:
- إبراز أهمية الإنصات والتواصل باعتبارهما مدخلين أساسيين لفهم حاجيات النساء والشباب وتحديد انتظاراتهم الحقيقية.- مناقشة سبل الانتقال من المشاركة الشكلية إلى المشاركة الفعلية والمؤثرة في التنمية وصنع القرار.- تسليط الضوء على مختلف التحديات القانونية والاجتماعية والاقتصادية والسلوكية التي تواجه النساء والشباب.- تعزيز ثقافة الحوار والتواصل بين المواطن والمؤسسات والفاعلين المدنيين.- إبراز خصوصية العالم القروي والحاجة إلى سياسات وبرامج تستجيب لاحتياجاته الفعلية.- تبادل التجارب والخبرات بين مختلف المتدخلين والخبراء.- البحث عن آليات عملية لترجمة التوصيات إلى برامج ومبادرات قابلة للتنفيذ.
ثالثاً: الطابع الوطني للندوة
تميزت الندوة بطابعها الوطني، حيث عرفت مشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين والباحثين من مدن مغربية مختلفة، وهو ما ساهم في إثراء النقاش وفتح المجال أمام تعدد الرؤى والمقاربات.
وقد شكل هذا التنوع فرصة لتبادل التجارب والخبرات بين مختلف الفاعلين، وإبراز أن قضية تمكين النساء والشباب ليست قضية محلية أو مرتبطة بمجال ترابي معين، وإنما هي ورش وطني يستدعي تضافر جهود المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والمجتمع المدني والباحثين والخبراء.
كما ساهم حضور الفاعلين من خارج المنطقة في التعريف بالمؤهلات والإمكانات التي تزخر بها المنطقة القروية، والتأكيد على ضرورة جعلها جزءاً من الدينامية الوطنية المرتبطة بالتنمية وتمكين الشباب والنساء.
رابعاً: الحضور والمشاركة
عرفت الندوة حضوراً مهماً ومتنوعاً، ضم فعاليات مدنية ومؤسساتية وشبابية ونسائية، إلى جانب المهتمين بقضايا التنمية المحلية والعمل الجمعوي والبحث العلمي.
وقد عكس هذا الحضور حجم الاهتمام الذي يحظى به موضوع تمكين النساء والشباب، خاصة عندما يتم تناوله من زاوية عملية تربط بين الإنصات والتواصل وبين القدرة على الاستجابة للحاجيات الحقيقية للفئات المستهدفة.
كما شكل الحضور فرصة للتفاعل المباشر مع مختلف المداخلات وطرح الأسئلة وتبادل الآراء، بما جعل الندوة فضاءً للحوار والتفكير الجماعي وليس مجرد لقاء أكاديمي تقليدي.
خامساً: محاور ومضامين المداخلات
غطت المداخلات المقدمة خلال الندوة مختلف الجوانب المرتبطة بموضوع التمكين، حيث تناول المتدخلون الموضوع من زوايا قانونية واجتماعية واقتصادية وسلوكية وتنموية.
1. الجانب القانوني
تم التطرق إلى أهمية الإطار القانوني والمؤسساتي في حماية حقوق النساء والشباب وتعزيز مشاركتهم في الحياة العامة والتنموية، مع التأكيد على أن الاعتراف القانوني بالحقوق ينبغي أن يواكبه تمكين فعلي من ممارسة هذه الحقوق والاستفادة منها.
كما تم التأكيد على أهمية تبسيط المعلومة القانونية وتقريبها من المواطن، خصوصاً في الوسط القروي، حتى يصبح الوعي بالحقوق مدخلاً للمشاركة والتأثير.
2. الجانب الاجتماعي
ناقشت المداخلات مجموعة من الإكراهات الاجتماعية التي قد تحد من مشاركة النساء والشباب، خاصة ما يرتبط بالهشاشة الاجتماعية، وضعف الولوج إلى بعض الخدمات والفرص، ومحدودية المشاركة في بعض المجالات.
وتم التأكيد على أن التمكين الاجتماعي لا ينبغي أن يقتصر على تقديم المساعدة، بل يجب أن يقوم على بناء قدرات الأفراد وتعزيز استقلاليتهم وإشراكهم في تحديد الأولويات والحلول.
3. الجانب الاقتصادي
احتل التمكين الاقتصادي حيزاً مهماً من النقاش، باعتباره أحد أهم مداخل الاستقلالية وتعزيز القدرة على المشاركة.
وقد تم التأكيد على ضرورة تشجيع المبادرات الاقتصادية، ودعم التعاونيات والمشاريع الصغرى، وتطوير مهارات الشباب والنساء، وتسهيل الولوج إلى برامج التمويل والتكوين والمواكبة، مع مراعاة خصوصيات العالم القروي.
4. الجانب السلوكي والتواصلي
تم إبراز أهمية التواصل والإنصات باعتبارهما ليسا مجرد أدوات للتواصل الإداري أو الجمعوي، وإنما آليتان لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات والفاعلين.
فالإنصات الحقيقي يسمح بفهم المشاكل من مصدرها، بينما يساهم التواصل الواضح والمستمر في تعزيز الثقة وتقليص الفجوة بين المواطن ومختلف المتدخلين.
5. الجانب التنموي
تم ربط موضوع تمكين النساء والشباب بأهداف التنمية المستدامة، والتأكيد على أن تحقيق التنمية في العالم القروي يقتضي الاستثمار في الإنسان، وتعزيز قدراته، وإشراكه في تحديد الأولويات وصناعة الحلول.
سادساً: الجانب التطبيقي والورشات
من أبرز خصوصيات هذه الندوة أنها لم تقتصر على الجانب النظري، بل تضمنت أيضاً شقاً تطبيقياً من خلال تنظيم ورشات تفاعلية.
وقد أتاحت هذه الورشات للمشاركين الانتقال من مناقشة المفاهيم والأفكار إلى التفكير في آليات عملية قابلة للتنزيل، من خلال التفاعل والنقاش وتبادل التجارب.
وشكلت الورشات فضاءً للاستماع إلى المشاركين، وخاصة الشباب والنساء، والتعرف على انتظاراتهم ومقترحاتهم، بما ينسجم مع الفلسفة الأساسية للندوة القائمة على الإنصات والتواصل كمدخل للتمكين.
كما ساعد هذا الجانب التطبيقي على بلورة مجموعة من الأفكار والمقترحات التي يمكن تحويلها مستقبلاً إلى برامج ومبادرات على المستوى المحلي والقروي.
سابعاً: الشراكة بين جمعية أواصر ومجلس الباحثات المتعدد التخصصات
شكلت الندوة مناسبة مهمة لتعزيز التعاون بين الفاعلين المدنيين والبحثيين، خاصة من خلال الشراكة الموقعة بين جمعية أواصر للتنمية والبيئة ومجلس الباحثات المتعدد التخصصات.
وتكتسي هذه الشراكة أهمية خاصة لأنها لا تقف عند حدود التعاون المناسباتي، وإنما تفتح المجال أمام بناء عمل مؤسساتي مستمر يروم المساهمة في تنزيل برامج ومبادرات ذات صلة بتمكين النساء والشباب، وخاصة في العالم القروي.
ومن بين المرتكزات المهمة التي تتضمنها الشراكة العمل على خلق خلية أو شبكة للتنسيق والتنزيل، تكون فضاءً لتجميع الخبرات والطاقات وربط البحث العلمي بالممارسة الميدانية، والعمل على إعداد وتنفيذ برامج تستهدف النساء والشباب، وتنسجم مع أهداف التنمية المستدامة.
ومن شأن هذه الخلية أو الشبكة أن تشكل آلية للتنسيق بين مختلف المتدخلين، ورصد الحاجيات، واقتراح المشاريع، والمساهمة في البحث عن الشراكات والموارد، وتتبع تنفيذ المبادرات وتقييم أثرها.
ثامناً: أهم التوصيات
اختتمت أشغال الندوة بمجموعة من التوصيات، ركزت في مجملها على ضرورة الانتقال من مرحلة التشخيص والنقاش إلى مرحلة التفعيل والتنزيل.
ومن أبرز التوصيات:
1. إحداث خلية أو شبكة محلية للتنسيق حول برامج تمكين النساء والشباب بالعالم القروي.
2. تحويل التوصيات المنبثقة عن الندوة إلى برامج عملية ومشاريع قابلة للتنفيذ.
3. اعتماد الإنصات والتواصل كآليتين دائمتين لرصد حاجيات النساء والشباب.
4. تعزيز قدرات الشباب والنساء من خلال التكوين والتأهيل والمواكبة.
5. دعم المبادرات الاقتصادية والاجتماعية للنساء والشباب، خاصة في الوسط القروي.
6. تشجيع التعاونيات والمشاريع الصغرى والمبادرات ذات الأثر المحلي.
7. تقوية التنسيق بين المجتمع المدني والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والباحثين والخبراء.
8. جعل البحث العلمي أداة مساعدة في تشخيص الإشكالات واقتراح الحلول المناسبة للواقع المحلي.
9. تعزيز مشاركة النساء والشباب في إعداد وتتبع وتقييم البرامج التنموية.
10. اعتماد مقاربة تشاركية تقوم على الاستماع إلى الساكنة وإشراكها في تحديد الأولويات.
11. ربط برامج التمكين بأهداف التنمية المستدامة وبخصوصيات المجال القروي.
12. وضع آليات للتتبع والتقييم لقياس أثر البرامج والمبادرات المنفذة.
13. مواصلة تنظيم اللقاءات والندوات والورشات المتخصصة حول قضايا الشباب والنساء والتنمية القروية.
14. تثمين الشراكة بين جمعية أواصر للتنمية والبيئة ومجلس الباحثات المتعدد التخصصات باعتبارها إطاراً للعمل المشترك والمستدام.
تاسعاً: الأثر المنتظر للندوة
لا تكمن أهمية هذه الندوة في كونها لقاءً علمياً ووطنياً فحسب، وإنما في كونها شكلت بداية لمسار عملي يروم الانتقال من الحديث عن تمكين النساء والشباب إلى وضع آليات وبرامج عملية لتحقيقه.
كما أن الجمع بين الخبرة الأكاديمية والممارسة الميدانية، وبين النقاش النظري والورشات التطبيقية، أتاح بناء تصور أكثر واقعية حول التحديات والفرص المتاحة.
ويظل التحدي الأساسي بعد انتهاء أشغال الندوة هو ضمان استمرارية الدينامية التي أطلقتها، وتحويل التوصيات والشراكات إلى مبادرات ملموسة يستفيد منها الشباب والنساء، خصوصاً في العالم القروي.
عاشراً: خاتمة
شكلت الندوة الوطنية حول «تمكين النساء والشباب اقتصادياً واجتماعياً عبر آلية الإنصات والتواصل» محطة وطنية مهمة بجماعة الزراردة، جمعت بين النقاش العلمي والتفاعل المجتمعي والعمل التطبيقي، واستطاعت أن تفتح نقاشاً متعدد الأبعاد حول قضايا التمكين والمشاركة والتنمية.
وقد أكدت مختلف المداخلات والنقاشات أن تمكين النساء والشباب لا يمكن أن يتحقق فقط عبر البرامج القطاعية، وإنما يحتاج إلى الإنصات الحقيقي، والتواصل المستمر، وبناء الثقة، وتقوية القدرات، وفتح المجال أمام المشاركة الفعلية والتأثير في القرار التنموي.
كما أن توقيع الشراكة بين جمعية أواصر للتنمية والبيئة ومجلس الباحثات المتعدد التخصصات، وما تتضمنه من توجه نحو خلق خلية أو شبكة لتنزيل برامج التمكين في العالم القروي، يمنح مخرجات الندوة بعداً عملياً واستراتيجياً، ويشكل فرصة لتحويل النقاشات والتوصيات إلى مبادرات ومشاريع ذات أثر ملموس.
وبذلك يمكن اعتبار هذه الندوة لبنة أولى في مسار تشاركي يروم جعل تمكين النساء والشباب رافعة للتنمية المحلية والمستدامة، وتعزيز مشاركتهم الفعلية في بناء مستقبل مجالاتهم الترابية.