قراءة أولية للمفاوضات الإيرانية الأمريكية في إسلام آباد

  البروفيسور هاني الياس خضر

استاذ السياسات الخارجية والعلاقات الدولية .ألمانيا


تكتسب جولة المفاوضات المنعقدة الان في إسلام آباد بين الوفدين الأمريكي. و الإيراني أهمية خاصة واستثنائية لاعتبارين أساسيين :

الاول :انها تتم بين الطرفين بوساطة باكستانية اثر حرب مدمرة تركت تداعياتها الخطيرة على مجمل الوضع الاقتصادي الدولي فضلا عن تداخل الخنادق في محيط الحرب اقليميا .

الثاني :طبيعة الوفدين المتحاربين حيث تم الحضور بشخصيات مرموقة وعلى مستوى رفيع داخل الإدارة الأمريكية و النظام الإيراني يرافقهم (وهنا مسالة جدا مهمة ) عشرات الفنيين والخبراء في المجالات ذات الصلة بالتفاوض وخاصة منهم في الجانب الاقتصادي والنووي ومختلف المجالات الأخرى  حتى قيل ان مجموع الفنيين الذين بدأوا عملهم فورا حسب اللجان المشكلة يزيد عن 180 فنيا من كلا الطرفين الأمر قد يوحي  (ربما)  باتفاقيات مسبقة فنية حتى قبل بدء المفاوضات السياسية بين الطرفين وبحضور باكستاني رفيع .


المفاوضات تتم مع بداية الهدنة المؤقتة لمدة أسبوعين ،إلا أن طبيعة المطالب التي يعلنها الجانبين توافقا و (او)اختلافاً تعطي انطباعاً اوليا بأن المفاوضات يمكن ان تستمر اكثر من هذا الوقت ولذلك فان تمديد الهدنة عند الحاجة سيكون امرا متوقعا جدا خاصة  ان هناك اجماعا دوليا على ضرورة التوصل لاتفاقيات شاملة .

الهدف المعلن بالنسبة للولايات المتحدة لايقتصر على وضع حد وبضمانات لبرنامج ايران النووي والصاروخي وتعديل سياسة ايران الخارجية وعدم التعرض مستقبلا للاقتصاد العالمي من خلال مساعي التحكم بالملاحة الدولية في مضيق هرمز ، انما الاهم من ذلك هو تحقيق تعاون تستطيع به الولايات المتحدة الاستثمار الواسع للمعادن والإعمار داخل ايران ،وابعادها عن محور الصين الذي يشكل هاجس يؤثر على موقعها العالمي في إطار النظام الدولي .

ان ذلك يتم بشكل خاص في تأكيدات متعددة المصادر عن الدور الصيني في اعادة بناء القدرات التكنولوجية الإيرانية المهددة للأمن الاقتصادي الأمريكي ،والمهددة للأمن العسكري ايضا في الشرق الاوسط لاعتبارات جيوإستراتيجية.


لذلك فان الصين موجودة ضمنا في هذه المفاوضات وتؤدي دورها بشكل غير مباشر سواءا عبر شريكتها ايران او من خلال حليفتها الوسيط في المفاوضات باكستان التي بدورها ترتبط مع الولايات المتحدة بروابط وشراكات حيوية مكنها من لعب دور الوسيط في العلاقات الأمريكية بل اعادة تجسير العلاقات بينهما اوائل عقد السبعينات و ان تكون سببا في إقامة علاقات دبلوماسية بينهما من خلال ترتيب اللقاءات الدبلوماسية التي نفذها هنري كيسنجر قادت نحو  اعتراف أمريكي بالصين عضوا دائما في مجلس الامن الدولي وافتتاح لعلاقات واسعة الأفق  حتى الان .

من الطبيعي ان نتائج ماتسعى له الولايات المتحدة في هذه المفاوضات يتاثر بمقاصد اصدقائها وحلفائها في عموم منطقة الشرق الأوسط والذين دخلوا الحرب بشكل او بآخر مثل اسرائيل وبلدان الخليج العربي .


من جانب آخر فان ايران لها مقاصد اساسية تتمثل في الحفاظ على تماسك النظام السياسي و اعادة بناء مادمرته الحرب وتحقيق التنمية التي تأثرت بشكل كبير في تداعيات الحصار المفروض عليها ،وضرورات الحفاظ على دورها قوة اقليمية فاعلة ، وهو امر صعب انجازه دون رفع العقوبات عليها ورفع الحضر عن أرصدتها الخارجية يعزز من ذلك فرص العمل الواسعة لاستثمار الشركات الأمريكية وغيرها داخل ايران والتي قدرت بما لايقل عن ستة ترليون دولار .


ان ذلك يبدو واضحا في إصرارها على مطالب قابلة للتوافق قدر استطاعتها في المفاوضات مع الطرف الأقوى في هذه الحرب .

ايران في مطالبها لاتستند فقط على قدراتها ومقوماتها الداخلية المدعومة بواقع أهميتها جيوبولتيكيا   حيث الدعم الروسي والصيني  لها وارتباط العديد من وكلائها الإقليميين باستمرار فاعليتها اقليميا .

روسيا وجدت في الحرب فرصة لزيادة صادراتها النفطية من خلال إعفاءات محدودة للعقوبات المفروضة عليها بذات الوقت الذي تم الكشف عن استمرار تزويدها لشريكتها ايران بمنظومات تسليح متطورة فضلا عما قدمته لهل أقمارها الصناعية من مواقع تحرك الأساطيل الأمريكية في مجال استهداف الصواريخ لها  وهي خطوة تفرض نفسها على مستقبل الحرب في أوكرانيا  وتحجيم الدور الأوروبي في فرض اجندته في أزمة استمرار الحرب ، في وقت تاكد تفاعل الوكلاء لايران في البلدان العربية معها وتنفيذهم للأجندة الإيرانية كما هو مخطط لها تحت لواء وحدة الساحات  ،لذلك نجد ان ايران تشترط تنفيذ الاتفاقيات مع الولايات المتحدة على وقف الحرب الاسرائيلية على حزب الله وهو ذراعها العسكري الأكثر فاعلية طيلة عقدين من الزمن .

تاسيسا على ماتقدم يبدو ان الوضع يتحمل فرصة سيناريو اتفاق شامل بين الولايات المتحدة وايران بقيادتها التي تصفها الإدارة الأمريكية (بالقيادة الجديدة ) في حال الاتفاق على مبادىء اساسية مشتركة .

السؤال الذي يفرض نفسه ؛كيف سيكون السلوك السياسي الخارجي لايران اتجاه المحيط العربي بعد كل ماحدث ؟

الجواب افتراضي يتقبل وجهات النظر ، ولكني ارى ان ايران من حيث المبدأ لاتستطيع التخلي عن عقيدتها الأيديولوجية في مبدأ تصدير الثورة انما قد تكيفها سياسيا تبعا للمتغيرات الحالية بذات النفس الذي كانت مستعدة له بعد هزيمتها في الحرب العراقية -الإيرانية لولا متغير اجتياح العراق للكويت حيث اعيد فتح البوابات أمامها اكثر مما سبق امام تجديد وسائل التدخل وتصعيد النفوذ في عموم المحيط العربي كفرصة وجدتها ايران تاريخية لاستعادة فعلها عبر تدمير الطرف المنتصر (العراق ) وهو ماحصل فعلا .

لذلك من المتوقع ان تكون ايران (في حال حصول اتفاق شامل  ) اكثر براغماتية في التعامل مع محيطها الاقليمي وبنسب مختلفة حسب طبيعة وقدرات الوكلاء.من جانب آخر فإن السؤال الاخر يطرح نفسه بالنسبة لبلدان المحيط الاقليمي المتضررة من الحرب ؛مالعمل ؟

هنا علينا ان نميز الكيان الاسرائيلي باعتباره شريكا استراتيجيا للولايات المتحدة في الحرب حيث استطاعت اسرا ئيل تحقيق مبتغاها من ايران لتعيد تموضع الأخيرة  الاقليمي بما لايحقق تهديدا للأمن الاسرائيلي مستقبلا ،لتعمد لاحقا الى تنحية حزب الله من التهديد للأمن القومي الإسرائيلي كنتيجة او كأحد تداعيات الاتفاق عند حصوله ، وهو الأمر الذي مهدت له بالتوغل جنوب لبنان وتهجير اكثر من نصف مليون من حاضنة حزب الله من الجنوب والاستعداد لتحجيم قدرات حزب الله التي داب على استخدامها كلما تطلبت مصالح ايران القومية ذلك .
اما الدول العربية في مشرق الوطن العربي وتحديدا بلدان الخليج العربي فانها وجدت نفسها امام واقع التهديد الإيراني المباشر او غير المباشر عبر وكلاء ايران .الامن الخليجي ثبت عدم تأمينه من خلال القواعد الأمريكية المتواجدة فيها الأمر الذي جعلها مهددة جديا بكل مقدراتها لو استمرّت الحرب مع ايران .

هنا نجد ان بلدان الخليج العربي مدعوة لإعادة تفعيل منظومتها الاقليمية عبر شراكات متعددة الأطراف ومن بين ذلك :

اولا :تفعيل شراكتها الاستراتيجية مع دولة الباكستان وتركيا 

ثانيا :توسيع إطار منظومتها الاقليمية لتشمل سوريا والأردن  واليمن بالطبع .

مصر من وجهة نظري لم تبدي كفاءة في التعامل مع بلدان الخليج العربي كظهير استراتيجي لها،  بل انها انكفأت على ذاتها لاعتبارات التزاماتها وأزماتها داخليا واقليميا وخاصة التهديدات التي تشعر بها  من قبل اثيوبيا اقتصاديا وأمنيا ، وكذلك طريق الملاحة الدولي الذي يمر في قناة السويس فضلا عن مواقف سلبية اتجاه سوريا واستمرار القلق في علاقاتها مع تركيا رغم بعض التوافقات الانية الأمر الذي يطرح تغييرات جيوبولتيكية  محتملة على مستقبل طرق الملاحة الدولية  .

يبقى العراق بين بلدان المشرق العربي ارضاً خصبة للتجاذبات الاقليمية والدولية رغم موقعه الجيواستراتيجي في طرق الملاحة البحرية والبرية بسبب طبيعة النفوذ الإيراني واسع النطاق فيه ، وفاعلية الوكلاء في تهديد الامن لكل من بلدان الخليج العربي وسوريا في ان واحد مما يجعله ساحة معرضة لجميع الاحتمالات حسب فرص التوافقات من عدمها ان لم تلعب الولايات المتحدة وبلدان الخليج العربي دورها في إعادته لمحيطه العربي عبر تصحيح الاخطاء التي ارتكبت من قبلهم بحقه  .

وفي ضوء ذلك فان كل شيء آخر يتوقف على نتيجة المفاوضات التي تبدو انها تسير تحت الضغط نحو الاتفاق الشامل ، وهي الخطوة الأكثر جرأة في تغيير الخارطة الجيوسياسية لعموم بلدان الشرق الأوسط   في حالة نجاحها  ، والا فان الاحتمالات مفتوحة على ماهو اخطر مما حصل حتى الان .