
الكاتبة والباحثة ألاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
في هذا الوجود، تمرّ على الإنسان مواسم كثيرة، بعضها يُبدّل ملامحه، وبعضها يُبدّل قلبه. وهناك أيام لا تأتي لكي تضيف الى الحياة صخباً جديداً، بل لكي تنتشل الروح من تعبها القديم، وتعيدها الى ينابيعها الأولى. ومن بين هذه الأيام، تأتي عشور عيد الأضحى كنافذة روحية يفتحها الزمن أمام الإنسان، ليرى نفسه بوضوح أكبر، بعيداً عن غبار العادة وضجيج العالم. فالعيد في معناه العميق عن" الموحدون الدروز"، ليس زينة عابرة ولا طقساً اجتماعيا فحسب، بل لحظة عبور من ظاهر الحياة الى باطنها، ومن كثافة المادة الى شفافية المعنى.
إنّه تذكير سنوي بأن الإنسان لم يُخلَق ليكون أسير رغباته وغضبه وخوفه، بل كائناً قادراً على الإرتقاء فوق جراحه وشهواته وأنانيته. ولهذا تبدو العشور كأنها سلّم خفيّ تصعد عليه النفس درجة بعد درجة، محاولة أن تتحرّر من أثقالها القديمة. في هذه الأيام، يَخِفُّ الكلام ويكثُر الإصغاء الى الداخل. يصوم البعض لا لأن الجوع غاية، بل لأن الإمتلاء الدائم يُثقِل القلب.
ويتخفَّف آخرون من صخب العلاقات والمشاحنات، لأن الروح لا ترى حقيقتها وسط الضجيج. هنا يصبح الصيام لغة صامتة تقول إن الإنسان أقوى حين يملك نفسه، لا حين يملك الأشياء. فالقوّة الحقيقية ليست القدرة على الأخذ، بل القدرة على الترفُّع، وعلى كبح تلك الرغبات التي تجعل الإنسان أسيراً لعالم لا يشبع. ومن هنا، تتجلّى رمزية الأضحية في معناها الأعمق.
فالقصة لم تكن يوماً دعوة الى الدم، بل دعوة الى التحرّر. إن إبراهيم، في جوهر الحكاية، لم يكن يُمتحَن في ابنه فقط، بل في كلّ تعلّق يُمكن أن يَجعَل القلب أقل حرية وأقل صفاء، ولهذا يرى أهل التوحيد أن أعظم ذبيحة ليست تلك التي توضع على مذبح العيد، بل تلك التي تُذبَح في الداخل: ذبح الكبرياء حين يتعاظم، وذَبح الحقد حين يستيقظ، وذبح الأنانية حين تريد أن تجعل الإنسان مركز العالم. وفي البيئات الدرزية القديمة، كانت هذه الأيام تحمل هيبة خاصة، وجوه أكثر هدوءاً، خصومات تُطفأ قبل العيد، أبوابٌ تُفْتَح للأقارب والفقراء، وكلمات تُقال بحذر أكبر، كأن الجميع يشعر أن الروح في هذه الأيام مرهفة وشديدة النقاء، وأن القلوب تُصبِح أقرب الى حقيقتها.
لم يكن العيد يُقاس بوفرة الطعام، بل بقدرة الإنسان على أن يعود أقل قسوة وأكثر رحمة. ولعلّ المعنى الأجمل في عشور العيد أنها لا تطلب من الإنسان أن يُصبِح ملاكاً، بل أن يتذكّر فقط إنسانيته التي أتعبها الركض الطويل خلف العالم. فهي تهمس له بأن النور لا يولد في الأماكن الصاخبة، بل في تلك اللحظات الهادئة التي يواجه فيها الإنسان نفسه بصدق.
وهكذا حين ينتهي العيد وتعود الحياة الى ازدحامها المعتاد، يبقى السؤال الحقيقي معلّقاً في الداخل: ما الذي ذبحناه فعلاً؟ هل كانت الأضحية مجرد طقس عابر، أم أننا استطعنا ولو قليلاً أن نذبح شيئاً من ظلمنا، من قسوتنا، من غرورنا؟ لأن الإنسان لا يُصبِح أنقى بما يقدّمه بيده فقط، بل بما ينجح في اقتلاعه من ظلمة قلبه.
وربما لهذا السبب، لا يكون العيد الحقيقي في اليوم الذي نرتدي فيه ثياباً جديدة، بل في اليوم الذي تستطيع فيه الروح أن ترتدي سلامها. أضحى مبارك.