
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
" نحن الذين تُطفئ الحاجة أصواتهم قبل أن تَصِل.
نحن الذين نُخَبئ جوعنا خلف الصمت، ونَكْسِر خوفنا كلّ يومٍ كي لا تنهار وجوه أطفالنا.
من يَسْمَع أنين البيوت الباردة؟ ومن يرى الأرواح التي يطحنها العوز ببطء دون أن تترك صراخاً؟"
هكذا يئنُّ الألم حين يُتْرَك من دون شاهد، وهكذا يتسلّل وجع الفقراء من خلف الجدران الصماء، لا كصوت مرتفِع، بل كتنهيدةٍ طويلة تتبعثَر في الهواء دون أن تجِد من يلتقطها. الفقر ليس معادلة تُختَزَل. في تقارير الاقتصاد، بل وَجَعٌ يُعاشُ في تفاصيل الحياة. ولا وصفاً عابراً لحالة ماديّة مؤقتة، بل حالة إنسانية معقدة يتخبّط فيها الإنسان محروماً من أبسط مقوِّمات الأمان والكرامة.
هو، أن يُصبِح الطعام هاجساً يوميّاً، والدواء عبئاً مُسَبِباً للمرض، والتعليم حِلماً بعيد المنال، وأن يتحوّل المستقبل الى مساحة من الخوف بدل أن يكون مساحة من الأمل. والفقر في حقيقته الأعمق، لا يُختَصر بقلة المال وحدها؛ فكم من إنسان يملك قوت يومه لكنه يفتقد الى الطمأنينة، وفقيراً الى العدالة، وفقيراً الى من يسمع وجعه ويشعر بإنسانيته.
فالفقير لا يتألم بسبب حاجته، بل بسبب شعوره بأنه متروك وحده في مواجهة الحياة. فحين يضيق البيت بأطفاله، ويعجز الأب عن تأمين أبسط احتياجاتهم، تُصبِح الأيام ثقيلة كصخرة تجثو على الصدور.
الأم تُخفي خوفها خلف الصمت، والطفلُ يتعلّم الحرمان قبل أن يتعلّم الطفولة، والشيخ يبتلِع وجعه كسكين يمزِّق احشاءه دون أن يشعر به أحد.
وفي كثير من الأحيان، لا يكون الفقر نتيجة تقصير فردي، بل ثمرة خلَلٍ إجتماعي عميق؛ حين تُحْتَكَرُ الفرَص، ويُهَمَّشُ الضعفاء، ويُصْبِح العمل الشريف غير كافٍ لحياة كريمة، يتحوّل الفقر الى قدَرٍ يُطارد العائلات جيلاٍ بعد جيل. هناك من يولد وفي يده مفاتيح الثراء والحياة، وهناك من يولد وهو يحمل أثقال البؤس والحاجة منذ اللحظة الأولى.
وللفقرِ صوت خافِت لا يسمعه إلاّ من عاشه؛ إنّه صوت الأب الذي يعود آخر النهار خالي اليدين، وصوت الأم التي تَقْسِم الرغيف بين أطقالها وتَدَّعي أنها لا تشتهي الطعام، وصوت الشاب الذي يدفن أحلامه لأنه لا يملك ثمن الطريق إليها، وصوت الطفل الذي يتلهّف الى قطعة حلوى يستحيل عليه الحصول عليها. إنه وجعٌ يصرخ من شِدَّةِ الضيق، لكنه يضيع وسط ضجيج العالم وانشغال الناس بمصالحهم.
ومع مرور الزمن، لا يسرق الفقر المال وحسب، بل يسرق الثقة بالنفس، ويزرع داخل الإنسان شعوراً قاسياً بالعجزِ والإنكسار. فالحرمان المستمر يجعل الإنسان يشعر أحياناً وكأنه يعيش على هامش الحياة، يرى الآخرين يعبرون نحو أحلامهم فيما هو ثابت في مكانه، عاجز حتى عن اللحاق بضرورات العيش.
ومع ذلك، يبقى أكثر ما يؤلم في الفقر ليس الجوع ولا البرد ولا الوحدة، بل شعور الإنسان بأن أنينه لا يصل الى مسمع أحد. فكم من قلوب تعتصِر بصمت خلف الأبواب المغلقة، وكم من دموع جفَّت قبل أن تَجِد من يمسحها، وكم من بشرٍ عاشوا وماتوا وهم يحاولون فقط أن يحافظوا على كرامتهم وسط قسوة الحاجة.
إن المجتمعات التي لا تسمع أنين الفقراء تفقد شيئاً من روحها وإنسانيتها. فالقيمة الحقيقية لأي مجتمع لا تُقاس بحجم ثرواته، بل بقدرته على أن يمنح الضعفاء فيه فرصة للحياة الكريمة، وأن يجعل العدالة والعيش اللائق حقّاً للجميع لا امتيازاً لفئة دون أخرى.