أهم ما نتعلّمه من قصة سيدنا يوسف الصديق في ليالي العشر المباركة


فاروق غانم خداج كاتب لبناني

 وباحث في الأدب والفكر الإنساني


حين نقرأ قصة يوسف عليه السلام في ليالي العشر المباركة، لا نقرأ مجرد حكاية نبيٍّ ابتُلي ثم نجا، بل نقرأ سيرة الإنسان حين يطهّر الله قلبه ويهيّئه للنور.

ولعلّ سرّ تأثير هذه السورة أن الله قال فيها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3].

إنها قصة تشبه الحياة بكل تقلّباتها؛ فيها الحسد، والفقد، والخيانة، والفتنة، والسجن، ثم العفو والتمكين والسكينة. 

ولذلك بقيت قريبة من قلوب الناس، لأن كل إنسان يرى فيها جزءًا من نفسه، وشيئًا من ألمه أو انتظاره أو رجائه.

وفي هذه الليالي التي يفتّش فيها المؤمن عن الصفاء والقرب من الله، تبدو قصة يوسف مدرسةً كاملة لفهم معنى الابتلاء، وكيف تتحوّل الجراح أحيانًا إلى طريقٍ للنضج والرحمة.

ليس كل تأخير حرمانًارأى يوسف الرؤيا صغيرًا، لكن تحققها لم يكن سريعًا.

فبين الحلم والتمكين كانت هناك بئر، وغربة، وعبودية، وسنوات من السجن والصبر.

وهنا يكمن أحد أعظم دروس السورة: أن الله قد يؤخّر الجميل لأنه يعدّ الإنسان له.

فبعض الأحلام لا تنضج إلا بالابتلاء، وبعض الأبواب لا تُفتح إلا بعد أن يتغيّر القلب من الداخل. 

وما نظنه انكسارًا قد يكون في الحقيقة إعدادًا خفيًا لمرحلة أكبر لا نراها بعد.

ولهذا فإن المؤمن في ليالي العشر لا يطلب الأمنيات فقط، بل يتعلّم الثقة بتوقيت الله، والإيمان بأن رحمته تعمل حتى حين تبدو الطرق مغلقة.

الطهارة الحقيقية تظهر حين تغيب الرقابة من أكثر مشاهد السورة عمقًا موقف يوسف أمام الفتنة، حين أُغلقت الأبواب، وغابت أعين الناس، وبقي الإنسان وحده أمام ضميره وربّه.

كان يستطيع أن يخطئ دون أن يراه أحد، لكنه قال:﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: 23].

وهنا تتجلّى حقيقة الإيمان: أن التدين ليس صورة أمام الناس، بل موقف في الخفاء، وأن القلب النقي أثمن من المظاهر كلها.

في زمن كثرت فيه الصور اللامعة والادعاءات الكبيرة، تعلّمنا قصة يوسف أن أعظم الانتصارات هي تلك التي يحققها الإنسان على نفسه.

ولذلك فإن العبادة في هذه الليالي لا تبدأ من كثرة الكلام، بل من صدق القلب ونظافته.

قد يكون السجن بدايةً للحرية دخل يوسف السجن مظلومًا، لكن السجن لم يحوّله إلى إنسان حاقد أو منكسر.

بل بقي مصدر طمأنينة لمن حوله، وداعيةً إلى الله حتى في لحظات الضيق.

وهذا من أعمق أسرار السورة: فالإنسان الحقيقي لا تصنعه الظروف، بل ما يحمله في داخله.

كم من إنسان يعيش حرًّا لكنه أسير خوفه أو شهوته أو غضبه، وكم من مبتلى يملك روحًا أكثر اتساعًا من الدنيا.

ومن هنا تصبح ليالي العشر فرصة لتحرير الداخل الإنساني من الأحقاد والقلق وثقل الدنيا، لا مجرد موسم عابر للعبادة.

العفو أعلى من الانتصارحين تمكّن يوسف من إخوته، لم ينتقم منهم رغم كل ما فعلوه به.

بل قال لهم:﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: 92].

العفو هنا ليس ضعفًا، بل قمة النضج الروحي والإنساني.

فالإنسان الصغير ينتصر لنفسه، أما العظيم فينتصر على نفسه.

وفي زمن تمتلئ فيه القلوب بالخصومات والكراهية، تذكّرنا قصة يوسف أن القلب الذي يريد القرب من الله لا يستطيع أن يحمل الحقد طويلًا.

ولعلّ من أجمل العبادات في هذه الليالي أن يسأل الإنسان نفسه بصراحة:

من الذي ما زلت أحمله في داخلي رغم مرور الزمن؟

خاتمة قصة يوسف ليست مجرد سيرة نبيٍّ من الماضي، بل مرآة لكل روح مؤمنة تمرّ بليلٍ طويل وتنتظر الفجر.

إنها تعلّمنا أن:الطاهر لا يخسر،والصابر لا يضيع، والمظلوم ليس متروكًا،وأن الله قد يجعل من البئر طريقًا إلى النور.

وفي هذه الليالي المباركة، ربما يحتاج كل واحد منّا إلى جلسة صادقة مع نفسه؛ لا ليسأل فقط عمّا يتمناه، بل عمّا يجب أن يطهّره في قلبه أيضًا.

أيُّ بئرٍ أعيش فيه الآن؟ 

وأيُّ خوفٍ أو حقدٍ أو ضعفٍ يجب أن أتحرّر منه؟ 

وما الخطوة الصغيرة التي أستطيع أن أبدأ بها الليلة لأقترب أكثر من الله؟ 

فوراء الصبر حكمة، ووراء الألم رحمة، ووراء الليل نورٌ لا يراه إلا المؤمنون.