أوراق تتنفس: أنفاس الحب والأمل

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف


خيوط من النور تتسرَّب بلطف من خلف الضباب الأبيض، تتلوَّن بألوان الذهب والياقوت القرمزي المائل الى الشفق، تُرى من بعيد كحِلم رقيق يستحقّ التأمل، ثمّ تمد أناملها برفق وخفة لتداعب وجه الأرض  بلمسات دافئة، كأنها أمٌّ توقظ طفلها على مهل. 

الطيور تَْفرُد أجنحتها في رقصة علويّة  يتوهج فيها شغفٌ سماويّ مشبَعٌ بالحب والفرح ، وتنشد أناشيد الحياة والسعادة والأمل، فتتماوج الأصوات في الفضاء كأمواج حالمة، تصعد وتهبط في تناغم عذب، حتى يخال للمرء أن السماء نفسها تصغي وتبتسم. 

وفي تلك اللحظة ، تتنفس الأشجار بعمق، كأن جذورها تشرب الضوء لا الماء، وتخرج من أغصانها همسات دافئة تشع نورا على جنبات الأوراق. الهواء يترقرق بين الأغصان، يحمل عبق التراب الرطب ورائحة الزهر المتفتح، ويعبر الصدور فيينعشها ، فترتفع منها أنفاس طويلة، بطيئة ممتلئة بطمأنينة لا تُحَد. 

الألوان تتداخل بلوحة سحرية لا تُرى وحسب، بل تُحَس وكأنها آية إلهية. الذهبيّ ينساب على التلال كوشاح من دف، والقرمزيّ يشتعل في الأفق كنبض قلب عاشقٍ، والندى يتلألأ على أطراف العشب كحبات لؤلؤ صغيرة تُخَبئ سرَّ الضوء. كل شيء يتحرّك في تناسق مهيب، وكأن الوجود بأسره قد قرّر أن يخلع عنه تعب الأمس، ويقف عارياً من الحزن، مكسوّاً فقط بالحب والفرح. 

هناك في تلك المسافة الممتدة بين الضباب والنور، يتكوّن معنى جديد للحياة. لا يُقال، بل يُعاش. إحساسٌ بأن العالم، رغم كلّ ما مرَّ به، ما زال قادراً أن يبدأ من جديد، وأن القلب، مهما أثقلته الفصول، يستطيع أن ينهض، وأن يخفق بخفة، وأن يصدِّق بأن الجمال ليس طارئا، بل أصل في هذا الكون. 

وهكذا، دون أن يُعلن أحد إسم الفصل، يتسلّل الدفء الى الروح وتدرك أن ما يحدث ليس مجرد تبدُّلٍ في الطقس، بل ولادة خفيّة للأمل، وعودة سريّة للحب، وأن الأرض كما القلب تعرِف جيداً كيف تتنفس من جديد.