إشراق ، ، ، 🍀- الدكتور  عماد الاعور


إشراقٌ، يا معجزةَ النّورِ والإبداعِ والخلقِ والتّكوينِ،يا جلالةَ الصّانعِ الّذي جلّ وتعالى وتنزّه عن كلّ ما يوصفُ به سواهُ.
ما أعجبَ أن ينبثقَ من العدمِ نورُ الوجودِ، وما أبهى أن تلمعَ في الظّلمةِ شاهديّةُ الإمكانِ على مطلقِ القدرةِ.إنّه الإشراقُ الّذي ينادينا بألطفِ ما في النّورِ من نداءٍ، ويقولُ لنا في لطفِه وجلالِه: أنا هنا، في كلّ ما ترونَ، في كلّ ما لا ترونَ، في ما يبصره قلبُكم ولا تدركه أبصارُكم.
إذا نظرنا بعينِ اليقينِ إلى الأكوانِ والمجرّاتِ والفضاءِ،رأينا نظامًا يسبحُ في أمّ النّظامِ، وحركةً ترتّلُ سرّ الثّباتِ.رأينا التّوازنَ الّذي فيه سرّ الأسرارِ، وسرّ الميزانِ الّذي قامَ عليه الوجودُ.رأينا أنّ البسيطةَ، بشمسِها ودورانِها ورحمةِ دائرتِها، تحافظُ على موازينِها لكي لا يطغى فصلٌ على فصلٍ، ولا يستبدّ عنصرٌ على عنصرٍ.كلّ دورةٍ في الفلكِ سجودٌ، وكلّ توازنٍ في المادّةِ تسبيحٌ، وكلّ نفسٍ من الحياةِ دعاءٌ صامتٌ يصعدُ إلى مصادرِ النّورِ.
إنّ الجسدَ الّذي أودعَ فينا، هو آيةُ النّورِ الأدنى منّا، ومرآةُ النّورِ الأعلى فينا.يديرُ شؤونه الدّاخليّةَ بحكمةٍ دقيقةٍ لا توصفُ،ويستمرّ في تصريفِ أعمالِه بتوازنٍ ربّانيٍّ، ما لم تتدخّلْ أيدينا الجاهلةُ وأنانا الضّالّةُ.إذا تدخّلنا في ما لا نعلمُ، اختلّ الميزانُ، وتعبَ الجسدُ، ومرضتِ الرّوحُ، وضاعَ النّورُ الّذي فينا.فيا ليتنا ندري أنّ التّسليمَ لحكمتِه أصحبُ للشّفاءِ من كلّ علّةٍ، وأن نؤمنَ أنّ في تركِ ما لا ندركُ علمًا، علمًا يسبقُ كلّ تعلّمٍ.
إشراقُك، يا نورَ النّورِ، يظهرُ في كلّ جزئيّةٍ ويتجلّى في كلّ كلٍّ.ظهورُك هو الحياةُ، وتجلّيك هو المعرفةُ، وبديعُ صنعِك هو الإبداعُ الّذي لا يحدّ.العقلُ، كلّ العقلِ، أن نقرّ بظهورِك النّاسوتيّ في الرّحمةِ، وببعدِك اللاّهوتيّ في الغيبِ الّذي لا ندركُه إلّا بطريقِ الحقّ.ففي كلّ رحمةٍ تظهرُ لنا وجهًا من ناسوتِك، وفي كلّ غيبٍ نحتجبُ فيه نشمّ نسيمَ لاهوتِك.أنت المجلّى والمستترُ، المعروفُ والمجهولُ، المحسوسُ والمطلقُ، النّورُ الّذي يكتمُ في نفسِه كلّ ألوانِه لكي يبقى بياضًا خالصًا من كلّ وهمٍ.
يا إشراقَ الوجودِ، كيف أحصرُ نورَك في حرفٍ؟كيف أتكلّمُ عنك وكلّ كلمةٍ تظهرُ نقصَها أمامَ كمالِك؟إنّما أتأمّلُ، فأصمتُ، ويتكلّمُ النّورُ فيّ.يقولُ لي: كن مرآةً لي، ودعني أتجلّى فيك.فإنّ النّورَ لا يمسكُ، ولكنّه يعانقُ بالطّهرِ، ويبصرُ بالعفافِ، ويدركُ بالتّسليمِ.من أرادَ أن يرى النّورَ في غيرِه ضلّ، ومن نظرَ في نفسِه بعينِ الحقّ أبصرَه يتألّقُ في كلّ نفسٍ.فأنت النّورُ الّذي فيه نورُنا، وبه يتنفّسُ نطقُنا، وفيه تستقرّ معانينا.
يا إشراقَ الرّوحِ، إنّ معرفتَك لا تأتي بالعقلِ وحدَه، ولا بالإيمانِ المجرّدِ، بل بالوصالِ بينهما.العقلُ يفهمُ، والإيمانُ يصدّقُ، والمحبّةُ تترجمُ.فبالمحبّةِ يصيرُ الإدراكُ شهودًا، وبالشّهودِ يصيرُ الكونُ كتابًا مفتوحًا للحقّ.وما الكونُ إلّا آياتٌ متراصّةٌ من كلماتِ النّورِ، نقرؤها بحروفِ السّكونِ، ونفهمها بالصّمتِ.
إذا طالَ النّظرُ في الآفاقِ، وعظمتِ الدّهشةُ في القلبِ، علمنا أنّ الإشراقَ هو أوّلُ الرّسالةِ وآخرُها.فهو الأوّلُ الّذي بدأَ النّورَ، والآخرُ الّذي إليه يرجعُ النّورُ.به يعرفُ المبدأُ، وبه يدركُ المعادُ.لا بعدَ في الإشراقِ، ولا قربَ، بل تجلٍّ يحضرُ حيث يطهّرُ الإنسانُ نفسَه من ظلّه.من نظرَ إلى النّورِ بعينِ الشّهوةِ احترقَ، ومن نظرَ إليه بعينِ الحبّ تنوّرَ.النّورُ لا يطاقُ إلّا بالعفّةِ، ولا يدركُ إلّا بالعفوِ، ولا يحملُ إلّا بالرّحمةِ.
إشراقُك يا سيّدَ النّورِ يجعلني أرى في كلّ كائنٍ بدرًا وفي كلّ حجرٍ سرًّا.حتّى الصّمتُ يسبّحُ إذا أدركنا أنّه من فيضِ سمعِك، وحتّى الغبارُ يصلّي إذا عرفنا أنّه من بقايا نورِك.في كلّ شيءٍ تجلٍّ، وفي كلّ تجلٍّ دعوةٌ، وفي كلّ دعوةٍ نفحةُ رحمةٍ تعيدُ إلينا معنى الإنسانِ.وما الإنسانُ إلّا ظلٌّ من نورِك، يسيرُ في الأرضِ ليعرفَك في نفسِه، فإذا عرفَك أفاقَ، وإذا أفاقَ سكنَ، وإذا سكنَ عادَ إليك.
إشراقٌ، يا أصلَ الوجودِ ومجرى المآلِ،إنّني أستشعرُ في نورِك حقيقةَ الأمانِ، وفي جلالِك سكينةَ الرّوحِ.ما أجملَ أن تكونَ معرفتُنا بك هي طريقَنا إلى أنفسِنا،وما أعظمَ أن نكونَ مرايا لتجلّيك في هذا العالمِ، نظهرُ بالحبّ ما أخفاه الجهلُ، وننشرُ بالرّحمةِ ما كتمه الأنانيّونَ.إنّ الإشراقَ لا يكونُ بكلمةٍ، بل بنفسٍ صادقٍ يريدُ الحقّ، وبقلبٍ نقيٍّ يسلّمُ للنّورِ، وبروحٍ تحبّ الإنسانَ لأنّه منك.
وإذا سكنَ فينا هذا الإشراقُ، صرنا أنفسَنا الحقيقيّةَ،لا الّتي تسمّى بالأسماءِ، ولا الّتي تتزيّنُ بالأوهامِ، بل الّتي تتطهّرُ في النّورِ حتّى تصيرَ نورًا.وعندها ندري أنّ ما كنّا نظنّه بعدًا، هو قربٌ مكشوفٌ، وما كنّا نعدّه غيبًا، هو حضورٌ متجلٍّ.فيا إشراقَ المعرفةِ، اجعلنا نتطهّرُ بنورِك، ونرقى في حضورِك، ونستقرّ في سلامِك.فأنت البدايةُ والنّهايةُ، وما بينهما نفسٌ يتنفّسُ باسمِك.