الإحتراق عبورٌ لا يُرى - الكاتبة أ.إيمان أبو شاهين يوسف

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف

قبل ان نرافق  الإحتراق في رحلة عبوره غير المرئي، لابد من تعريف معنى الإحتراق، رغم أنه لا يخفى على أحدٍ. 

فالإحتراق في معناه اللغوي ليس إلاّ، أشتعال الشيء وتغيّره بفعل النار، وفي دلالته المعنوية فهو حالةُ تأثّرٍ داخلي عميق تحدثها عوامل شديدة كالفقد، والإنكسار، والشغف...، فتطال كيان الإنسان أو الشيء في جوهره، فيشعر مع الوقت بإرهاق داخلي وفقدان للحماس، حتى كأن طاقته قد استهلكت من الداخل. أمّا النار، سواء كانت مادية أو معنوية، فلا يُمكن وصفها بأنها حدث طارئ، بل هي احتمال ساكن في قلب الأشياء، كأن في كلَّ مادة استعداداً خفيّاً لأن تتخلّى عن شكلها، وأن تدخل في تجربة لا تعود بعدها كما كانت. 

ليس الإحتراق اإذن  لحظةً  تبدأ بالشرارة، بل هو حالة كانت موجودة قبل أن تُرى، تنتظر فقط أن تبلغ حدّها.     

هنا يمكن طرح السؤال بطريقة أخرى:  هل الإحتراق هو ما يُفني الشيء، أم ما يَكشِفه؟ وهل ما نُسمّيه  فناء ليس في جوهره إلا شكلاً من أشكال الظهور المتأخر؟ حين نحرق خشبة، نظنُّ أننا نشهد نهايتها، لكن ما يحدث في العمق أكثر تعقيداً من ذلك. الشكل يتلاشى، نعم، لكن ما يتلاشى هو الحدود التي كانت تحصر الشيء في صورة واحدة. 

كأن الإحتراق لا يقتل المادة، بل يحّررها من سجن شكلها الأول. لذلك يبدو الرماد أقلّ وجوداً، لكنه في الحقيقة أكثر صدقاً، لأنه لم يعُد يدّعي هيئة واحدة. من هنا يمكن فهم الإحتراق كنوع من التحوّل القاسي. 

ليس انتقالاً سَلِساً، بل عبوراً يمرُّ عبر فقد ضروري، وكلُّ فقدٍ من هذا النوع ليس نقصاً خالصاً، بل إعادة توزيع الوجود نفسه. فالذي يزول ليس الشيء، بل طريقة حضوره السابقة. 

في التجربة الإنسانية، يتكرّر هذا الشكل بصيغٍ مختلفة، الإنسان لا يتحوّل فقط عبر الزمن، بل عبر ما يشبه الإحتراق الداخلي. لحظات تتصدَّع فيها صورته عن نفسه، وتنهار فيها يقيناته الأولى، وكأن داخله يمرُّ بمرحلة لا يعود بعدها ما كانه تماماً. كل معرفة حقيقية، إذا كانت عميقة بما يكفي تترك خلفها شيئاً محترقاً: فكرةٌ فقدت سلطتها، أو وهماً كان يمنح الطمأنينة، أو صورة قديمة عن الذات. 

بهذا المعنى، يصبح الوعي نفسه عملية احتراق بطيئة، لا تُفْهم بوصفها تدميراً، بل بوصفها إعادة تشكيل مستمرّة للداخل. 

وما نُسمّيه ألماً ليس إلاّ علامة هذه العملية حين تكون في ذروتها. بمكن هنا أن نقترب من حدسٍ فلسفي يرى أن الكائن لا ينكشف في ثباته، بل في تحوّله؛ كما أشار الفيلسوف "مارتن هايدغر" الى فكرة الإنكشاف التي تقول بان الحقيقة ليست تطابقا بين الفكر والواقع، بل هي انكشاف الكائن وخروجه من الخفاء الى الظهور. 

وكذلك نجد عند الفيلسوف "فريدريك نيتشه" فكرة أن التحوّل الحقيقي لا يختلف عن تجربة الإحتراق، حيث لا يُعاد خلق الذات إلا عبر عبور ٍ قاسً يُبَدِّل أعماقها. 

لكن هذه الإشارات ليست استدعاء للسلطة الفكرية، بل محاولة لتقريب معنى واحد: أن ما يتبدّل في الإنسان لا يمرّ دون خسارة. 

غير ان الإحتراق يبلغ ذروته حين يخرج من دائرة المادة والوعي الى ما يمكن تسميته الإنجذاب الوجودي، حيث لا يعود الفقد مجرّد ثمن للتغيير، بل يصبح نوعا من الإقتراب من معنى لا يُمسك مباشرة. في هذا الأفق، كما تشير التجربة الصوفية "عند جلال الدين الرومي"، لا يعود الإحتراق حركة تدمير، بل حركة ذوبان: أن يتراجع الحدّ بين الكائن وما يتجاوزه، لا ليُمحى، بل ليصبح أقل صلابة، وأكثر انفتاحاً على ما لا يُقال. 

وهنا تتبدّل دلالة النار نفسها. فهي ليست معادية للشكل، بل قوّة تكشف حدوده. ليست نقيضاً للوجود، بل إحدى طرائق ظهوره الأكثر قسوة وصدقاً. كل ما لا يقبل الإحتراق يبقى محصوراً في صورته، وكلّ ما يمرُّ به، يخرج منه وقد فقد شيئاً من صلابته الأولى، لكنه اكتسب طبقة أعمق من المعنى. 

ولذلك يمكن إعادة التفكير في الإحتراق لا كحادثة تقع للأشياء، بل كبنية خفيّة في طريقة وجودها: كأن كلّ شيءٍ لكي يظهر، عليه أن يمرّ بدرجة ما من التلاشي، وأن يدفع ثمن ظهوره عبر تحوّل شكله. 

لا شيء يُعطى كما هو، بل يُعطى وهو يتغيّر. في النهاية، لا يعود السؤال: ماذا يفنى في الإحتراق؟  بل : ماذا يُصبح الشيء عندما لا يعود كما كان؟ ربما يكون ما يبقى ليس صورة جديدة، ولا فقداً خالصاً، بل أثراً ثالثاً بينهما: أثرٌ لا يُرى بوضوح، لكنه يُحَسُّ كدفءٍ خفيفٍ في المعنى، كأن شيئاً ما مرَّ من هنا، وانمحى، لكنه ترك خلفه طريقة مختلفة لرؤية الأشياء. 

وهكذا، لا يكون الإحتراق نهاية ولا بداية، بل هو الطريقة التي يفقد فيها الإنسان أجزاء من نفسه، ليُعيد تشكيل ذاته من هذا الفقد.