الإعلام بين الحقيقة وصناعة الرواية

وصال مرعي ،استاذة محاضرة

و مدربة في القيادة و الإدارة التربوية

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الوقائع، بل تحوّل إلى فاعلٍ أساسي في تشكيلها وإعادة إنتاجها. وفي الحالة اللبنانية، يتجلّى هذا التحوّل بوضوح، حيث لم تعد الشاشات منصّاتٍ للخبر بقدر ما أصبحت ساحاتٍ مفتوحة لصراع الروايات وتضارب السرديات. يجد المتلقي نفسه اليوم أمام مشهد إعلامي معقّد، تتعدد فيه الزوايا وتتناقض فيه التفسيرات، حتى يكاد الحدث الواحد يتشظّى إلى نسخٍ متعددة، كلٌّ منها يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة. 

وبين خطابٍ يعلن الانتصار وآخر يلوّح بالخطر، تضيع الحقيقة في زحمة التأويل، ويُترك المواطن في مواجهة سيلٍ من المعلومات التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى الحدّ الأدنى من التوازن والموضوعية. إن الإشكالية الأساسية لم تعد في نقص المعلومات، بل في فائضها المشوَّه. 

فالخبر، الذي يُفترض أن يكون انعكاسًا للواقع، بات يُعاد تشكيله وفق اعتبارات سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية، ما أفقده حياده المفترض. وهنا، يتحوّل الإعلام من مرآةٍ للحقيقة إلى أداةٍ لصياغتها، بل أحيانًا لإعادة توجيهها بما يخدم مصالح محددة. 

في هذا السياق، تصبح الحقيقة كيانًا مركّبًا لا يُقدَّم بشكلٍ جاهز، بل يحتاج إلى تفكيك وإعادة تركيب. 

فالفهم العميق لا يتحقق عبر التلقي السلبي، بل من خلال قراءة نقدية واعية، تستند إلى المقارنة بين المصادر، وتحليل الخطاب، والانتباه لما يُقال بقدر ما يُخفى. 

ولا يقتصر الخطر على تضليل الوقائع، بل يمتد إلى تشكيل الوعي العام والتأثير في القرارات الفردية والجماعية. فالتلاعب بالسرديات لا يقل خطورة عن الأزمات نفسها، لأنه يعيد رسم إدراك الناس للواقع، ويوجّه مواقفهم وسلوكهم بشكل غير مباشر. 

من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف دور المتلقي، الذي لم يعد مقبولًا أن يبقى متلقيًا سلبيًا. بل بات مطالبًا بأن يكون قارئًا ناقدًا، يمتلك أدوات التمييز، ويطرح الأسئلة، ويتحرر من سطوة الرواية الواحدة. 

فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط على مستوى الحدث، بل على مستوى تفسيره وتأطيره. في ظل هذا الواقع، تقع المسؤولية على طرفين: إعلامٌ يلتزم بأخلاقيات المهنة ويعيد الاعتبار للموضوعية، وجمهورٌ واعٍ يرفض الانقياد الأعمى خلف الخطابات الجاهزة. 

وبين هذين الطرفين، تتحدد ملامح الحقيقة—إما أن تُبنى على أسسٍ من الوعي والتحليل، أو تُختزل في رواياتٍ متصارعة تُفقدها معناها. إن التحدي اليوم لا يكمن في الوصول إلى المعلومة فحسب، بل في القدرة على تمييز صدقيتها. 

وفي عالمٍ تتزاحم فيه الأصوات، يبقى الوعي النقدي هو البوصلة الوحيدة القادرة على إعادة التوازن، وحماية الحقيقة من أن تتحوّل إلى مجرد وجهة نظر