الإنسان غَبيّ ؛ لأنه يَعي بأنه يَعي - الكاتبة إيمان أبو شاهين يوسف

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف


منذ البدء كان الحيوان في  هذا الوجود يمضي كما تمضي السحب  مع الريح في الفضاء الواسع، لا تعارض ولا تفسِّر، فقط ترافق حركة الطبيعة كما هي في صمت العلو، لا تسأل  الى أين تُساق، ولا تقلق إن تبددت على سفح جبل،  أو ذابت في زرقة اللانهاية. 

حضورها كافٍ لتكون، ومسيرها هو معناها الوحيد.  الحيوان هذا، لا يقف خارج اللحظة ليتأملها، بل يُقيم فيها إقامة الجذور في التربة؛ الجوع عنده نداء حاجة، والماء جواب عطش، و الظلّ ملجأ وأمان. 

لا يضيف الى الفعل فكر ة تراقبه، وإذا أسدل  الليل ظلامه، استسلم لإيقاعه بهدوء وسلام. كلّ فعل عنده يتحرّك بإيقاع صامت لا يحتاج الى تفسير:  إنه لا يخاصم الطبيعة ولا يحاكمها،  ولا يسألها عن عدالتها ولا عن قسوتها. 

يعيشها كما تُعاش، ويُغادرها كما تغادر  أوراق الأشجار أمهاتها في الخريف. لا يحمل ذاكرة تُثقله بندم أو عتاب، ولا مستقبلاً يُرهقه بخوف أو طموح. اللحظة عنده اكتمال لا ينتظر غداً، وانسجام يولد صفاء. 

صفاءه هذا يمكنّه من  معرفة حدَّه فلا يتجاوزه، ومعرفة حاجته فلا يبالغ فيها.

لا يحلم بأن يكون غير ما هو عليه، ولا يبني عالماً موازياً ليتحصن فيه من الآخرين. 

يكفيه أن يكون جزءاً من الحركة الكبرى، موجة صغيرة في بحرٍ لا يحتاج أن يعرف امتداده كي يثِق به. 

أما الإنسان  فمنذ أن وُجِد في هذه الحياة، لم يرض يأن يُقاد بإيقاع الوجود ، وصمّم بأن يُمسك بالمقود منذ خطوته الأولى. لم يكتف بأنه يرى، بل رأى نفسه وهو يرى. وفي لحظة غامضة من تاريخ الروح، انشقَّ عنده الوعي على ذاته، و لم يَعُد  يكتفي بأن يشرب من النهر، بل صار يسأل: ما هذا النهر؟ ومن أنا أمامه؟ ولماذا أجري معه الى مصبّ لا أعرفه ولا استطيع ان ألامس حدوده؟ من هنا بدأ الوعي يثقل حضوره، ويبعث في داخله القلق.و لم يَعُد الوجود بالنسبة إليه مسرحاً للحركة، بل صار مسرحاً للبحث  والتأمل والسؤال.  

ولأن الحيوان يعرِف حدَّه،  فهو يستطيع ان يعيش بهدوء واطمئنان . حدوده مرسومة في جسده وغرائزه. 

لا يُفَكِّر أن يكون غير ما هو. فإذا شبع نام، وإذا خاف هرب، وإذا اشتدَّ عليه البرد احتمى. لا يؤجِّل رغبته مراعاة لزمن او حدث، ولا يُضحّي بحاضره من أجل معنى  قريب أو بعيد. 

انسجامه مع الطبيعة ليس فضيلة أخلاقية مكتسبة، بل قدر فطريٌّ محتوم. أما الإنسان، فحين وعى أنه يَعي، انفصل قليلاً عن هذا الإنسجام. صار قادراً على أن يؤجل الجوع، وأن يقاوم الخوف، وأن يموت من أجل قيمة. وهنا بدا وكأنه خرج من النهر الى ضفته، ولم يَعُد جزءاً محضاً من الطبيعة، بل شاهداً عليها ومجادلاً لها أحياناً. ومن هذا الإنفصال وُلِدَت المفارقة، وأعمل ذكاءه لبناء بيت يحميه من المطر، ثمّ مدينة تشكل له مجتمعاً، ثمّ دولة تكون له وطن، ثم  اخترع الآلة لتكون له أداة للإنتاج، ثم نظاماً يضبط به علاقات الناس فيما بينها. 

لكنه حين توسَّع في البناء والعمران، وجد نفسه محاطاً بما صنع. فتحوّلت الأدوات الى شروط، والشروط الى قيود، حتى بات يخاف على ما جمع، ويقلق على ما سيأتي، ويقاتل دفاعاً عن أفكار لا تُشْبِع جوعاً ولا تروي عطشاً... هنا قيل عنه أنه غبيّ، لأنه استعمل ذكاءه حتى أتعب نفسه. لكن هل هو حقّاً غبي؟ الحقيقة أن الغباء ليس في أن تَعي، بل في أن تظن أن الوعي وحده يكفي.  

وإذا قارنا بين الإنسان والحيوان نجد أن الحيوان  لم يُمنح هذا الإمتياز الخطر، وهو ذكي بقدر ما يحفظ بقاءه، لكنه لا يحمل عبء المعنى. فهو لا يسأل عن العدالة ولا عن الخلود، ولا يتمزق بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. ذكاؤه مضبوط بسقف الطبيعة، لذلك لا يُسيء استعماله. 

أما الإنسان فذكاؤه مفتوح بلا سقف واضح. يستطيع أن يجعل الأرض نضرة خضراء، ويستطيع أن يحرقها ويحولها الى قحلٍ ويباس. يستطيع ان يبتكر دواء كما يستطيع ان يبتكر الداء. يستطيع ان ينشر الأمن والسلام كما يستطيع ان يخترع الأسلحة ويعيث بالناس حروبا وأهوال. 

إذن الفرق بين الإنسان  والحيوان ليس في امتلاك الذكاء، بل في اتساع الهامش الذي يتحرك فيه. الحيوان محدود ولذلك من النادر أن ينحرف خارج حدوده. بينما الإنسان حرٌّ نسبياً، لذلك يملك إمكانية الإرتقاء كما يملك إمكانية السقوط. وهنا تبدأ نقطة الإختلاف الحقيقية التي تتمثّل في "الحرية". وبذلك فإن الوعي بالوعي يخلق مسافة بين الإنسان واندفاعه الأول. 

هذه المسافة قد ترتقي به الى الحكمة، وقد تهوي به الى خطر التمزُّق. فإن استعمل الانسان هذه المسافة ليوازن بين حاجته وقيمته كإنسان صار أرقى من الغريزة  التي بطبيعتها حيوانية، ليس  لأنه قمعها، بل لأنه استوعبها ووجهها. 

وإن استعمل المسافة ليتعالى بها على الطبيعة، صار أكثر الكائنات خطراً عليها وعلى نفسه. 

وهكذا نجد أن الحيوان مندمج في النهر، لا يعرف أنه يجري. 

بينما الإنسان يقف أحياناً على الضفة، يتأمل الجريان، وقد ينسى أن يشرب. 

فإن عاد الى الماء وهو يحتفظ بسؤاله  دون أن يغرق، صار وعيه جسراً لا عبئاً. 

وإن بقي على الضفة متكبراً على النهر ، عطش رغم كثرة الماء. إذن ليس الحيوان أذكى لأنه لم يستعمل ذكاءه، وليس الإنسان أغبى لأنه وعى أنه ذكي. إنما المسألة  هي أن الحيوان يعيش ضمن حدٍّ لم يختره، والإنسان يعيش ضمن أفق عليه أن يتعلم كيف يسكنه. 

والحكمة ليست أن يتخلى عن الوعي ليعود حيواناً، ولا أن يُطلق الوعي بلا ضوابط ليصير آلة متغطرسة. 

وهكذا بات واضحاً أن :" وعي الإنسان ليس عبئاً يجعل منه غبي.. بل العبء هو، في أن يستعمل هذا الوعي من دون حكمة ودراية".