التربية في زمن اللايقين: تحليل في دور الخوف والتكنولوجيا في تشكيل السلوك التربوي

  الكاتبة والباحثة  الاستاذة 

إيمان أبو شاهين يوسف 

لم تَعُد التربية تبدأ من البيت كما كان يُتَصوَّر في الأزمنة السابقة، بل من لحظة وعي الطفل الأولى بالعالم، حين يفتح عينيه على واقع لم يعُد ثابتاً، ولا يُمْكِن الإمساك به بالطرق التقليدية ذاتها. 

بين يديّ الطفل اليوم عالمٌ لا يُشْبِه ما عرفه أهله، وبين يديّ الأهل طفل ينتمي الى زمنٍ مختلف في أدواته وطرائق تفكيره.

وهكذا لم تَعُد التربية فعل نَقْلٍ بسيط بين جيلين، بل أصبحت محاولة دائمة لإعادة بناء الجسر بين عالمين يتباعدان رغم العيش تحت سقف واحد. 

لم تعد الإشكالية في الأبناء بقدر ما أصبحت في المسافة التي اتسعت بين الأجيال ، مسافة لا تُقاس بالعمر، بل بطريقة إدراك العالم. 

فقد نشأ جيل الأمس في بيئات أكثر استقراراً، حيث كانت القيم واضحة نسبياً، والمعايير مستقرّة، ومسارات الحياة أقرب الى الواقع. أمّا جيل اليوم فينشأ داخل فضاء متسارع، مفتوح، متعدد المرجعيات، تتبدّل فيه النماذج وتتصادم فيه التأثيرات دون حدود واضحة وثابتة. وقد أظهرت دراسات حديثة، من بينها دراسة مركز بيو للأبحاث ( Pew Researcɦ Cenꝉer )، أن نسبة كبيرة من الأهل ترى أن التربية أصبحت أكثر تعقيداً في ظل التحوّل الرقمي وتعدد مصادر التأثير. 

غير أن هذا التعقيد لا يعكس ضعفاً في الأهل بقدر ما يعكس تحوّلاً بنيوياً في طبيعة العالم الذي يُنشأ فيه الطفل، وفي شكل المعرفة ذاتها. في هذا السياق، لم تَعُد التكنولوجيا كمجرد أداة خارجية، بل أصبحت بيئة كاملة يعيش داخلها الطفل ويتفاعل معها يوميّاً. 

فهو لا يتلقلى المعرفة من الأسرة وحدها، بل من فضاء رقمي واسع يعيد تشكيل وعيه بشكل متواصل، ويضعه أمام نماذج متعدِّدة في اللحظة نفسها. وبهذا المعنى لم تعد الأسرة المصدر الوحيد للمعرفة والتوجيه، بل أصبحت جزءًا من منظومة تأثير أوسع وأشد تعقيداً. 

ومع هذا التحوّل، يتسلّل عنصر آخر الى العملية التربوية بهدوء لكنه عميق الأثر. إنه الخوف. 

الخوف من الفشل، من الإنحراف، من ضياع الأبناء في عالم غير مألوف. غير أن هذا الخوف، حين يتحوّل الى حالة دائمة، لا يبقى مجرّد دافع للحماية، بل يصبح عنصراً موجِّهاً للسلوك التربوي نفسه. 

فينعكس في صورة رقابة مفرطة، أو تدخّل مبكر، أو تقليص لمساحة التجربة عند الطفل. وتشير الدراسات النفسية الحديثة الى أنماط الحماية الزائدة، رغم نبل دوافعها، قد تحدّ من تطور الاستقلالية  لدى  الطفل وتؤثر في قدرته على اتخاذ القرار. وهنا تتجلى مفارقة دقيقة: ما يُمارَس باسم الحماية قد يتحوّل، من حيث لا يُراد الى شكلٍ من أشكال الإضعاف غير المباشر للنمو. 

وفي قلب هذا التحوّل، تعود النظريات التربوية والنفسية لتقديم أدوات تفسير أكثر عمقاً. فوفق ألبرت باندورا، يتعلّم الطفل عبر الملاحظة والتقليد، غير أن النماذج التي يلاحظها  لم تَعًُد محصورة في الأسرة أو  المدرسة بل أصبحت رقمية ومتعددة ومفتوحة على التناقض. 

كما أن تصوّر جان بياجيه للنمو المعرفي، القائم على التفاعل المباشر مع البيئة، يواجه اليوم بيئة مختلفة جذريّاً، حيث أصبح التفاعل الإفتراضي جزءًا أساسيّاً من بناء المعرفة وتشكيل الإدراك. 

أمّا ليف فيغوتسكي فيؤكد أن التعليم عملية إجتماعية تقوم على التفاعل داخل " منطقة النمو القريب"، غير أن هذا التفاعل نفسه بات أقلَّ حضوراً في صورته المباشرة، وأكثر انتقالاً الى وسائط رقمية تقلّ فيها حرارة العلاقة الإنسانية المباشرة، رغم كثافتها الإتصالية. وهكذا لم تَعُد الإشكالية التربوية في " أبناء هذا الزمن"، بل في طبيعة الزمن نفسه. سرعته، تعدّده وتعدّد مصادره. 

فالتربية لم تَعُد فعل ضبط وتقرير، بل أصبحت فعل مرافقة داخل عالم لا يمكن تثبيته أو إيقافه، أو اختزاله في نموذج واحد؟ إن الأهل يسعون الى حماية أبنائهم، بينما يسعى الأبناء الى التجربة، وبين هذين المسارين تتشكّل منطقة توتر تحتاج الى إعادة تعريف العلاقة التربوية ذاتها. 

علاقة تقوم على الفهم قبل التوجيه، وعلى الحوار قبل الحكم، وعلى المرافقة قبل السيطرة. وفي ضوء ذلك، لم تَعًُد التربية مجرد نقل للقيم أو ضبط للسلوك، بل أصبحت ممارسة لفهم الإنسان داخل بيئة متغيّرة باستمرار. 

فالعالم الذي يُعَدّ له الأبناء لم يَعُد ثابتاً، والأدوات التربوية التقليدية لم تّعُد كافية وحدها، لكن الحاجة الأساسية بقيت كما هي: حاجة الإنسان الى من يفهمه قبل أن يوجِِّهَه. وهكذا، قد لا تكون  التربية اليوم أصعب مما كانت عليه في جوهرها، لكنها بالتأكيد أصبحت أكثر تعقيداً، وأكثر حاجة الى وعي نقدي هادئ،  يعيد التفكير في علاقتها بالعالم والإنسان معاً. 


المراجع: - ألبرت باندورا – نظرية التعلم الاجتماعي-  1977 - جان بياجيه – أصول الذكاء عند الطفل-1952 - ليف فيغوتسكي – العقل في المجتمع- 1978 - ريشرت، راشيل أ...- التعلبّم من الفيديوهات الموجّهة للأطفال(2010) - نيكن، بام، شولس، مارتن – توجيه الأهل لا ستخدام الإعلام لدى الأطفال ( 2015) -أوكسير، بروك، أندرسون، مونيكا، بيرين، أندرو، تيرنر، أريكا – تربية الأطفال في عصر الشاشات – مركزبيو للأبحاث (2020) - توينج ، جين، كامبل، كيث- ارتباط وقت الشاشة بالرفاه النفسي لدى الأطفال والمراهقين –(2018)