التنمر في المدرسة:من مواجهة الظاهرة الى إعادة بناء البيئة التربوية -إيمان أبو شاهين يوسف (ج2)

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف

الجزء الثاني: سبل المعالجة والحلول – من إيقاف العنف الى بناء ثقافة إنسانية جديدة 

إن مواجهة التنمر في المدرسة لا يمكن أن تنجح إذا بقي التعامل معه محصوراً في إطار العقوبة أو رد الفعل بعد وقوع الأذى. فالتنمر ليس مجرد تصرف خاطئ من طالب يحتاج الى التصحيح، بل هو ظاهرة تنشأ داخل بيئة كاملة تتداخل فيها طريقة إدارة المدرسة، وثقافة المجتمع، ونمط العلاقات بين الطلاب، وتأثير التكنولوجيا والإعلام، ودور الأسرة، والدولة ، والكتاب ،وعلماء الاجتماع، والمنظمات الدولية والمحلية. 

لذلك فإن المعالجة الحقيقية لا تبدأ من سؤال: كيف نعاقب المتنمر" بل من سؤال أعمق: كيف نبني بيئة لا تسمح يإنتاج التنمر أصلاً؟ إن أول خطوة في هذا الإتجاه هي الإعتراف بأن المدرسة ليست مؤسسة لنقل المعرفة فقط، بل مؤسسة اجتماعية تبني شخصية الإنسان وطريقة علاقته بالآخرين. 

فالطالب لا يتعلم في المدرسة العلوم واللغات فقط، بل يتعلم أيضاً كيف يحاور، وكيف يختلف، وكيف يتعامل مع الضعف والقوّة، وكيف يرى قيمة الإنسان الآخر. ومن هنا تصبح إعادة تعريف وظيفة المدرسة ضرورة أساسية. 

فالنجاح المدرسي لا يمكن أن يقاس فقط بالعلامات ونسب النجاح، بل أيضاً بقدرة المدرسة على خلق بيئة يشعر فيها الطالب بالأمان والإنتماء والإحترام. فالمدرسة التي تنتج متفوقين أكاديمياً لكنها عاجزة عن حماية طلابها نفسياً وإجتماعياً تكون قد أهملت جانباً أساسياً من رسالتها. كما أن النظام التعليمي نفسه يحتاج الى مراجعة في طريقة بناء العلاقات داخل المدرسة. 

فالمبالغة في التركيز على التنافس والترتيب والتصنيف قد تجعل الطالب يرى زميله كمنافس لا كشريك. المطلوب ليس إلغاء التفوق أو التمايز، بل توسيع مفهوم النجاح ليشمل التعاون، والمسؤولية، والقدرة على بناء علاقات صحيّة مع الآخرين. وتحتاج المدرسة أيضاً الى  إدخال التربية الاجتماعية والإنسانية ضمن حياتها اليومية، لا كموضوع نظري عابر، بل كممارسة فعلية. 

فالطلاب بحاجة التي تعلم مهارات الحوار، إدارة الخلاف، إحترام الإختلاف، التعبير عن المشاعر، وفهم أثر أفعالهم على الآخرين. فهذه المهارات ليست ترفاً تربوياً، بل أدوات أساسية للحياة. أما الإدارة المدرسية، فعليها الإنتقال من إدارة الحوادث الى بناء ثقافة مدرسية تمنع إنتاجها. 

فالتعامل مع التنمر لا يجب أن يبدأ فقط عند ظهور الشكوى، بل من خلال مراقبة المناخ العام داخل المدرسة، وتعزيز دور النظار ومتابعتهم الحثيثة لحركة الطلاب وفهم العلاقات فيما بينهم، والإنتباه الى حالات العزلة والإقصاء قبل أن تتحول الى أذى متكرر. 

كما أن حماية سمعة المؤسسة لا ينبغي أن تكون على حساب الإعتراف بالمشكلة. فالمدرسة القوية ليست التي تخفي أخطاءها، بل التي تمتلك الشجاعة لمواجهتها. فمعاناة الطالب الضحية يجب أنت تكون نقطة البداية، لأن تجاهل الألم أو التقليل منه لا يحل المشكلة، بل يجعلها أكثر عمقاً. 

ويأتي دور المعلم باعتباره أحد أهم مفاتيح التغيير، فالمعلم الذي يبني علاقة قائمة على الإحترام والإنصات يساهم في خلق مناخ مختلف داخل الصف. والمطلوب ليس فقط أن يمنع السلوك العدواني، بل أن يساعد الطلاب على فهم أنفسهم والآخرين، وأن يدرك أن دوره يتجاوز نقل المعلومات الى بناء إنسان قادر على العيش مع الآخرين. 

كما يجب إعادة النظر في طريقة التعامل مع الطالب المتنمر نفسه. فالمحاسبة ضرورية، لكن العقوبة وحدها لا تكفي. فالسلوك العدواني قد يخفي خلفه حاجة الى الإعتراف، أو ضعفاً في النضج العاطفي، أو نمطاً تَعلّمه من بيئته. 

وفهم جذور السلوك لا يعني تبريره، بل يعني البحث عن طريقة لمنع تكراره. 

ولا تقل الأسرة أهمية عن المدرسة. فالأهل هم أول بيئة يتعلم فيها الطفل معنى العلاقة مع الأخر. لذلك فإن التربية لا يجب أن تركز فقط على السؤال: " كيف ينجح ابني؟" بل أيضاً: " كيف يشعر؟ كيف يتعامل؟ كيف يواجه الخلاف؟". 

فالطفل الذي يعيش في بيئة حوار وثقة يكون أكثر قدرة على مواجهة الصعوبات وأقل عرضة للإنهيار أمام ضغط الجماعة. 

كما أن الأسرة مطالبة بإعادة النظر في مفهوم النجاح الذي تنقله الى الأبناء. 

فالنجاح ليس فقط مالاً أو مركزاً اجتماعياً أو تفوقاً على الآخرين، بل قدرة على بناء شخصية متوازنة تعرف قيمتها وتحترم قيمة الآخرين.

 أما التكنولوجيا، فلا يمكن مواجهتها بالمنع فقط، لأنها أصبحت جزءاً أساسياً من حياة الجيل الجديد. 

فالمطلوب هو بناء وعي رقمي حقيقي: تعليم الطلاب مسؤولية الكلمة والصورة، وفهم أثر السلوك الإلكتروني، وإدراك أن العالم الإفتراضي لا يلغي المسؤولية الأخلاقية. 

ولا يمكن معالجة التنمر في العصر الحديث دون التوقف عند دور الإعلام، لأن الطفل والمراهق لا يتشكل وعيه داخل المدرسة والأسرة فقط، بل يتأثر بصورة العالم التي تقدمها له وسائل الإعلام والمنصات المختلفة. فالإعلام لا يكتفي بعكس القيم الموجودة في المجتمع، بل يساهم في إنتاجها وترسيخها. 

فعندما تُقدم القوّة باعتبارها قدرة على السيطرة، أو تُربَط قيمة الإنسان بالشهرة والمظهر والمال، فإن ذلك يؤثر في الطريقة التي يرى بها المراهق نفسه والآخرين. وقد يشعر بعض الشباب بأن قيمتهم تأتي من قدرتهم على جذب الإنتباه أو الحصول على قبول الجماعة، لا من شخصيتهم وقدراتهم الحقيقية. 

كما أن انتشار المحتويات التي تقوم على السخرية أو الإهانة أو تحويل الآخرين الى مادة للضحك قد يُساهم  في تطبيع العنف الرمزي، وجعل الإستهزاء بالآخر يبدو سلوكاً عادياً. وهنا تصبح مسؤولية الإعلام أساسية في تقديم نماذج مختلفة للنجاح، تقوم على الإبداع والإحترام والمسؤولية، لا على إلغاء الآخر أو التقليل منه. 

وبعد أن حدّدنا المرجعيات التي تتحمّل مسؤولية معالجة مشكلة التنمر بشكل مباشر، علينا ان لا نعفي الدولة، والكتّاب وعلماء الاجتماع والمنظمات المحلية والدولية من المسؤلية المركزية التي تقع على كاهلهم.  

فمسؤولية الدولة تكون بسنّ قوانين وسياسات لمكافحة التنمر، وتدريب المعلمين، وتوفير المرشدين النفسيين والإجتماعيين في المدارس، ومحاسبة حالات الإهمال والعنف. 

ومسؤولية الكتّاب تكون بنشر ثقافة احترام الآخر، وكتابة القصص والمقالات التي تعزّز قيم التعاطف والتسامح، وتسليط الضوء على آثار التنمر وسبل الحد منه. أما علماء الاجتماع، فمن خلال القيام بدراسة أسباب حالات التنمر وآثارها، واقتراح حلول علمية، وتقديم المشورة للمدارس وصنّاع القرار لبناء مدرسة آمنة. 

ومسؤولية المنظمات المحلية والدولية هي في تنظيم حملات توعية، ودعم البرامج الوقائية، وتقديم التدريب والتمويل، وإجراء البحوث، والتعاون مع المدارس لحماية الأطفال والمراهقين وتعزيز حقوقهم. وهكذا فإن  معالجة آفة التنمّر، ليست مهمة طرف واحد، بل مسؤولية مشتركة بين  الجميع . ل

أن المشكلة ليست في الطالب الذي يمارس الأذى فقط، بل في البيئة التي تسمح بظهوره واستمراره. 

وفي النهاية، فإن الهدف ليس فقط أن نمنع التنمر، بل أن نُعيد بناء المدرسة باعتبارها مساحة يتعلم فيها الإنسان كيف يكون قويّاً دون قسوة، وكيف يكون مختلفاً دون إقصاء، وكيف ينجح دون أن يُحوِّل الآخرين الى ضحايا. "فالمدرسة الحقيقية ليست التي تُخرِّج أفراداً قادرين على المنافسة فقط، بل التي تُخَرِّج بشراً قادرين على العيش معاً."