الرجل الذي هزم اليانصيب بالرياضيات... كيف أجبر ستيفان ماندل الحكومات على تغيير القوانين؟

بقلم الإعلامي: مشير فياض 

الرجل الذي هزم اليانصيب بالرياضيات... كيف أجبر ستيفان ماندل الحكومات على تغيير القوانين؟
في عالم يقوم على الحظ والمصادفة، اعتاد الناس أن ينظروا إلى اليانصيب باعتباره لعبة لا يمكن التنبؤ بنتائجها، حيث تتساوى الآمال وتذوب الحسابات أمام رقم عشوائي يُعلن في لحظة واحدة.
لكن ماذا لو قرر شخص أن يتعامل مع الحظ كمسألة رياضية؟ وماذا لو استطاع تحويل لعبة تعتمد على الصدفة إلى معادلة يمكن استغلالها لتحقيق أرباح مضمونة؟
قد تبدو الفكرة أقرب إلى رواية بوليسية أو فيلم هوليوودي، لكنها كانت واقعاً عاشه عالم الرياضيات الروماني المولد ستيفان ماندل، الرجل الذي لم يخدع أنظمة اليانصيب، ولم يزوّر النتائج، ولم يخترق أجهزة السحب، بل استخدم الرياضيات والمنطق بطريقة دفعت حكومات عدة إلى إعادة صياغة قوانين اليانصيب بالكامل حتى لا تتكرر تجربته.


من الفقر إلى البحث عن مخرج
وُلد ستيفان ماندل عام 1931 في رومانيا، ونشأ وسط ظروف اقتصادية صعبة جعلت الحياة اليومية تحدياً مستمراً... وبرغم شغفه المبكر بالرياضيات، فإن الواقع المعيشي فرض عليه العمل محاسباً براتب متواضع لم يكن يكفي لتوفير حياة مستقرة لعائلته.
لكن ماندل لم ينظر إلى الأرقام باعتبارها وسيلة لحساب الدخل والمصروفات فقط، بل رأى فيها مفتاحاً لفهم الاحتمالات... ومن هنا بدأت رحلته الطويلة في دراسة الرياضيات ونظريات الاحتمال، باحثاً عن ثغرة قانونية داخل واحدة من أكثر الألعاب انتشاراً في العالم.


عندما تتحول الصدفة إلى معادلة
بعد سنوات من الدراسة، توصّل ماندل إلى فكرة بدت بسيطة من حيث المبدأ، لكنها كانت معقدة في التنفيذ.
إذا كانت تكلفة شراء جميع التركيبات الممكنة لأرقام اليانصيب أقل من قيمة الجائزة الكبرى، فإن شراء كل الاحتمالات يعني أن إحدى التذاكر ستكون حتماً التذكرة الفائزة... وعند إضافة الجوائز الفرعية إلى المعادلة، يمكن تحقيق أرباح حتى بعد خصم تكلفة شراء ملايين التذاكر.
كانت المشكلة الوحيدة أن تنفيذ هذه الخطة يحتاج إلى تمويل ضخم وتنظيم لوجستي غير مسبوق، وهو ما عمل ماندل على بنائه تدريجياً.


أول انتصار
في منتصف ستينيات القرن الماضي، أقنع أحد أصدقائه بتمويل تجربته الأولى. لم يكن المشروع مقامرة بقدر ما كان تطبيقاً عملياً لحسابات رياضية دقيقة.
نجحت الخطة، وفاز الاثنان بالجائزة الكبرى إلى جانب عدد من الجوائز الثانوية، ليحقق ماندل مبلغاً غيّر حياته بالكامل، وأثبت له أن نظريته قابلة للتطبيق خارج دفاتر الرياضيات.
كان ذلك الفوز نقطة التحول التي دفعته للتفكير بصورة أكبر.


أستراليا... المختبر الحقيقي للفكرة
بعد انتقاله إلى أستراليا، وجد ماندل بيئة أكثر ملاءمة لتطوير مشروعه... فأسس مجموعات استثمارية ضمت مئات المشاركين الذين يساهمون في تمويل شراء التذاكر مقابل نسبة من الأرباح. ومع تطور أجهزة الحاسوب والطابعات في تلك الفترة، أصبح بالإمكان توليد وطباعة ملايين التذاكر بصورة آلية، وهو ما كان مستحيلاً قبل سنوات قليلة.
وخلال ثمانينيات القرن الماضي، حققت مجموعاته نجاحات متكررة، إذ فازت بعدد كبير من الجوائز الكبرى، إضافة إلى مئات الآلاف من الجوائز الفرعية، الأمر الذي لفت انتباه سلطات تنظيم اليانصيب في أكثر من دولة.


العملية التي دخلت التاريخ
بلغت مغامرة ماندل ذروتها عام 1992 في ولاية فرجينيا الأمريكية.
لاحظ أن نظام اليانصيب هناك يسمح بشراء عدد غير محدود من التذاكر، وأن عدد التركيبات الممكنة كان في حدود يمكن تغطيته بالكامل إذا تجاوزت قيمة الجائزة الكبرى تكلفة شراء جميع التذاكر.
انتظر حتى ارتفعت قيمة الجائزة إلى أكثر من 27 مليون دولار، ثم بدأ تنفيذ واحدة من أكثر العمليات اللوجستية غرابة في تاريخ المقامرة القانونية.
قام فريقه بطباعة ملايين التركيبات، ثم نُقلت التذاكر إلى الولايات المتحدة، وجرى توزيعها على منافذ البيع خلال فترة زمنية قصيرة، في سباق مع موعد إغلاق السحب.
وعندما أُعلنت النتائج، كانت إحدى تلك التذاكر تحمل الأرقام الفائزة بالفعل...
ولم يقتصر الأمر على الفوز بالجائزة الكبرى، بل حصل الفريق أيضاً على آلاف الجوائز الفرعية، لترتفع قيمة العائدات إلى عشرات الملايين من الدولارات، محققة أرباحاً ضخمة بعد خصم تكاليف التنفيذ.


هل كان ما فعله قانونياً؟
أثار هذا النجاح ضجة واسعة، وبدأت الجهات المختصة تحقيقات مطولة لمعرفة ما إذا كان ماندل قد ارتكب أي مخالفة.
خضع لاستجوابات وتحقيقات من عدة جهات أمريكية ودولية، لكن النتيجة كانت واحدة: لم يُثبت أنه ارتكب عملية احتيال أو تلاعب.
فالرجل لم يغيّر نتائج السحب، ولم يخترق النظام، ولم يستخدم وسائل غير مشروعة، وإنما استغل ثغرات كانت القوانين تسمح بها آنذاك.
لقد استخدم الرياضيات بطريقة لم يتوقعها واضعو الأنظمة.


عندما تغيّر الحكومات قواعد اللعبة
انتهت التحقيقات، لكن الحكومات أدركت أن استمرار هذه الثغرات قد يسمح بتكرار التجربة.
لذلك سارعت هيئات اليانصيب في الولايات المتحدة ودول أخرى إلى تعديل اللوائح، ففرضت قيوداً على عدد التذاكر التي يمكن شراؤها، ومنعت طباعة التذاكر خارج المنافذ الرسمية، وشددت الرقابة على عمليات الشراء الجماعي، كما أغلقت الثغرات التنظيمية التي استفاد منها ماندل.
وبذلك أصبحت إعادة تنفيذ استراتيجيته شبه مستحيلة في أنظمة اليانصيب الحديثة.


اعتزال بهدوء... وسر لم يُكشف
بعد سنوات من المحاولات في أسواق مختلفة، قرر ماندل الابتعاد عن هذا المجال، واستقر في دولة فانواتو الواقعة في جنوب المحيط الهادئ، بعيداً عن الإعلام والظهور المتكرر.
ورغم مرور عقود على أشهر إنجازاته، فإنه ظل متحفظاً بشأن جميع تفاصيل منهجه، وشبّه الكشف الكامل عن طريقته بإفصاح شركة كوكاكولا عن وصفتها السرية.


بين الذكاء والحظ
تبقى قصة ستيفان ماندل واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ اليانصيب، ليس لأنه كان الأكثر حظاً، بل لأنه أثبت أن التفكير المختلف قد يكشف ثغرات لا يراها الآخرون.
لقد واجه نظاماً صُمم ليعتمد على الاحتمال، فردّ عليه بالرياضيات، ولم يخالف القانون.. لكنه دفع المشرّعين إلى إعادة كتابة القوانين.
وهكذا، لم يكن انتصار ماندل مجرد فوز بجائزة مالية، بل كان درساً استثنائياً في قوة العلم، وقدرة العقل على تحويل ما يبدو مستحيلاً إلى واقع، حتى وإن كان ذلك الواقع كافياً لتغيير قواعد لعبة بأكملها.


لم يكن ماندل محتالاً، ولم يكن ساحراً، ولم يعتمد على الحظ، بل استخدم العلم ليحوّل لعبة قائمة على الاحتمالات إلى مشروع استثماري محسوب.
ولهذا لم يكن أكبر انتصار حققه هو الفوز بأربعة عشر يانصيباً، بل أنه أجبر دولاً بأكملها على إعادة كتابة قوانينها، اعترافاً بأن الرياضيات انتصرت على النظام... ولو لمرة واحدة في التاريخ.