
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
البحث عن السعادة
منذ أن خطا الإنسان خطواته الأولى على هذه الأرض، كان يحمل في داخله شعوراً خفيّاً بالنقص، كأن شيئاً ما يناديه من بعيد دون ان يعرف من هو، إنه أشبه بنداء لا يُسمَع، وبحاجة لا تُسمّى.
لم يكن يعرف السعادة، ولم يمنحها إسماً، ولم يقف ليتأمل معناها كما فعل لاحقاً فلاسفة مثل أرسطو أو أبيقور، لكنه كان يقترب منها كلما احتمى بدفء النار، أو سكن الى جماعته، أو نجا من خوف كان يتهدده في العتمة. كانت السعادة آنذاك ومضة عابرة، لا تُدرك بالعقل بل تُحسُّ بالقلب، تمرُّ كنسمة رقيقة ثمَّ تتلاشى، تاركة وراءها أثراً غامضاً، كأنها تَعِد ولا تَحْسِم. ومع اتساع وعي الإنسان، لم تَعُد تلك الومضات كافية، فتحوّل الإحساس الى سؤال، والسؤال الى قلق جميل يخاطب نفسه بحثاً عن إجابة: لماذا لا نشتاق الى ما لا نراه؟ ولماذا نفقد ما نظنه من حِّقنا؟ وهنا عند تخوم هذا القلق الراقي، ينبثق السؤال الذي لا يشيخ: أين تسكن السعادة؟؟؟ أفي الأشياء التي نعانقها فتفلت من بين أيدينا؟ أم في اللحظات التي تعبرنا دون أن تعود إلينا؟ أفي ضجيج العالم النابض، أم في الداخل الهادئ حيث يقيم ذلك النداء الأول؟ من هذا السؤال تبدأ الحكاية، حكاية الإنسان مع نفسه، في رحلة البحث عن سعادة يشعر بها دائماً ويكاد لا يبلغها.
يقول البعض: إن السعادة تَعْشَق القصور، وتولد في بيوت السلاطين، وتستريح بين الذهب والرخام، وتتنفس في حدائق الأمراء والملوك، وتسير في شوارع المدن المزدحمة بسيّارات تلمع كأنها أجزاء من الشمس، وطائرات تمزِّق الغيم كأنها لا تعترف بقانون الجاذبية، وسفن عملاقة تبحر في البحار كأنها مدنٌ لا تنام. هناك حيث تُعَلَّق الحياة على جدران الفخامة: بروتوكولات دقيقة، إتيكيت محسوبة، خطوات لا تخطئ موضعها، وكلمات تُختار كما تُختار الجواهر.
هناك، في ذلك العالم، الذي يبدو فيه الإنسان وكأنه ارتفع فوق الحاجة، فوق القلق اليومي، فوق سؤال الخبز والماء. وفي المقابل، هناك من يقول أن السعادة تجد راحتها في عالم آخر، عالم لا يلمع لكنه ينبض بالدفء والمحبة. بيوته من حجارة متعبة أو من إسمنت لم يكتمل، نوافذه لا تطل على حدائق مصممة بانتظام، بل على طرقات ضيقة ينمو العشب على جوانبها، وأصوات الحياة فيه ليست موسيقى موزار أو بتهوفن، بل ضجيج يومي من تعب العمل وانتظار العمال. الفقراء في هذا العالم لا يعيشون في فائض الأشياء، بل في اقتصاد الحاجة. فكلّ شيء محسوب، و كلّ رغيف له معنى.
وفي كلِّ يوم يدخل الفقير معركة صغيرة متكررة بتكرار طلوع الضوء: كيف يؤمن لقمة اليوم؟ كيف يوازن بين الدواء والغذاء؟ كيف يؤجل حلماً آخر دون أن يموت داخله؟ ومع ذلك، وفي هذا العالم المرهق، توجد مفارقة عجيبة: ضحكات صادقة أكثر، قلوب أقلُّ تعقيداً، ودفء إنسانيّ لا يشترى.
في بيت الغني، قد تُقَدَّم القهوة في فناجين من خزفٍ نادر، تُشْرَب وفق طقوس دقيقة، ويُناقش طعمها بجديّة، كما يُناقش النقد الفني. وفي بيت الفقير، قد تُشْرَب القهوة ذاتها، لكنها تُقَدَّم بلا زغرفٍ ولا طقوس، بل برغبة بسيطة بأن تُدفئ القلب وتؤنس اللحظة بعد تعب يوم طويل. هناك القهوة فكرة جمال.
وهنا ، القهوة فكرة بقاء وطمأنينة.
بين هذا وذاك، يتكوَّن سؤال ملِحّ: هل السعادة تتبع كثرة المال أم خفّة الروح؟ الثراء قد يمنح الإنسان قدرة على التحكّم بالعالم الخارجي، يفتح الأبواب، يختصر المسافات، يشتري الوقت والجاحات أحياناً، لكنه لا يضمن السيطرة على ما يرهق الداخل من قلق ووحدة وخوف من الفقد، أو فراغ المعنى.
أما الفقر، فهو لا يملك رفاهية السيطرة على الخارج، لكنه أحياناً يفرض على الإنسان أن يكتشف ما يؤنس الداخل من صبر ورضا ، وتشارك، وتسامح ، وقناعة، وقدرة على الفرح بالأشياء الصغيرة.
ليست المسألة تمجيداً للفقر ولا إدانة للغنى. بل محاولة لفهم أن كلّ حالة تحمل اختبارها الخاص.
الغنى يختبر الإنسان في الإمتلاك؛ أي هل يُفسِده ما يملك أم يرتقي به؟ والفقر يختبر الإنسان في النقص، أي هل يكسره ما لا يملك أم يجعله أكثر إنسانية؟
وهنا تتسلل السعادة بخفَّةٍ لا تُرى، لتقيم في أماكن لا يتوقعها أحد.
لا تستقرُّ في القصور لأنها مهددة بكثرة الأشياء والمزاحمة، ولا تهرب من الأكواخ لأنها معتادة على بساطة الأرواح.
لكنها تميل في لحظاتها الصافية، الى حيث تقلُّ الضوضاء الداخلية، لا الخارجية، الى حيث القلوب أقل صراعا مع ذاتها والنفوس مطمئنة لصفائها.
ولهذا، يمكن أن نجد السعادة في قصرٍ يسكنه الحب والسلام، كما يمكن أن نجدها في بيت متواضع مشبع بالرضا والأمل.
لكنها تميل أكثر كما لو أنها إختيار خفيّ، الى الوجوه المطمئنة التي لم تلبسها السلطة ، ولم تُفسِدها المظاهر، ولم ترهقها المقارنات.
وفي النهاية، فإن السعادة لا تسكن بيتاً، بل تسكن حالة.
ولا تختار طبقة ، بل تختار نقاءً داخلياً.
ولا تسأل كم تملك؟ بل تسأل بصمت عميق: كيف تعيش ما تملك وما لا تملك؟