
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
السلام هو أرقى وجوه الحياة الإنسانية وأكثر الحالات التاريخية التي ترفع من قيمة الإنسان ومعنى وجوده.
فهو ليس مجرد غياب الحرب أو العنف، بل هو حالة وجدانية وإجتماعية تتطلب وعياً إنسانياً عميقاً، وممارسة أخلاقية مستمرة، ومبادرات عملية تسعى الى التفاهم والعدالة بين البشر.
في عالم يتقاطع فيه الصراع مع الطموح، والحقد مع المصالج، يبرز السلام كرمز للسمو الروحي والأخلاقي، وكمرآة لرقي الإنسان في أبهى صوره. في لحظات الحرب والعنف، يظهر السلام ليس فقط كحل سياسي، بل كضرورة وجودية.
إذ أن العنف لا يقتصر على الجسد والمكان، بل يمتد الى الروح، فيشل القدرة على الإبداع والتعاون، ويحوِّل المجتمعات الى فضاءات من الخوف والعدمية.
يرى الفيلسوف الفرنسي "ميشيل دو مونتين" في كتاباته عن الطبيعة البشرية، أن الإنسان في غياب السلام الداخلي والخارجي ، يفقد القدرة على التمييز بين الخير والشر، ويصبح رهينة لغرائزه. وعليه فإن السلام يتطلب من الإنسان بداية تهذيب ذاته، وترسيخ الحكمة والرحمة، وفهم الآخر كجزء من الإنسانية المشتركة.
تحقيق السلام يستند الى عدة شروط أساسية:
أولها الإعتراف بالكرامة الإنسانية للجميع، بغض النظر عن الدين، الحزب، اللون، أو الإنتماء الاجتماعي.
ثانيها العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات، فغياب العدالة يولد الغضب والإضظراب.
ثالثها التواصل والحوار المستمر، إذ أن الإستماع العميق للآخر ومشاركته وجهة نظره، هو بوابة للتفاهم والتقارب.
رابعها التسامح، فالعفو عن الزلّات ونبذ الإنتقام ، يحرَّر الروح ويتيح فرصة للسلام أن يترسَّخ في المجتمع.
خامسها العمل المشترك لبناء مشاريع تنموية وإنسانية تُعزِّز الترابط بين الناس وتقلِّل من أسباب الصراع.
الحياة في جوهرها مفعمة بالجمال والتنوع والتجارب السعيدة التي تمنح الإنسان معنى وجوده.
ففي لحظة التلاقي بين الجيران يسود بينهم التفاهم، وفي مشهد العائلة التي تتشارك الضحك حول مائدة واحدة، أو في الأطفال الذين يتعلمون التعاون والمشاركة في لعبهم، تتجلى معاني السلام البسيطة والجميلة.
يمكننا ملاحظة هذا في مجتمعات تتشارك فيها الطقوس الإحتفالية، مثل الأعياد والإحتفالات في لبنان وكثير من الدول، حيث تتلاقى الوجوه بابتسامة رغم اختلاف الأصول والخلفيات.
أو في المشهد العالمي حين يجتمع الرياضيون من مختلف الدول في الأولمبياد، متحدين في روح المنافسة النزيهة والصداقة العابرة للحدود، كما يشير الى ذلك الفيلسوف الأمريكي "ويل دورانت" في كتاباته عن حضارة الإنسان.
السلام ليس حالة سكونية، بل هو حركة مستمرة، وممارسة يومية للحب والإعتراف بالآخر، واستثمار لكل فرصة للتقارب والتفاهم.
إنه يرفع الإنسان فوق الغرائز ويمنحه القدرة على العطاء بلا حدود، ويزرع في النفس شعوراً عميقاً بالتوفيق والسعادة.
وفي المقابل، يخلق السلام مجتمعات قادرة على الإبداع، والإنفتاح على العلم والفن، وتطوير أساليب الحياة بما يخدم رفاهية الإنسان وارتقائه الروحي.
إن الرقي الحقيقي للإنسان يقاس بقدرته عللى تحويل العنف الى تفاهم، والعداء الى تعاون، والخوف الى أمان، والشك الى ثقة متبادلة.
وهكذا، يصبح السلام أكثر من هدف سياسي أو إجتماعي، إنه فلسفة حياة، وهو المفتاح الذي يفتح أبواب الجمال والسعادة في كل تفاصيل الحياة اليومية.
المراجع: العقد الاجتماعي – جان جاك روسو- ترجمة عبدالله هبد الرحمن – دار المدى – دمشق – 2005. السلام بوسائل سلمية – يوهان جالتونغ – ترجمة يوسف ساسين – المركز العربي للبحوث والدراسات السياسية – بيروت – 2010. قصة الحضارة – ويل دورانت – ترجمة سهيل إدريس – دار الفكر – بيروت – 2002. المقالات – ميشيل دي مونتين – ترجمة محمد علي عبد العزيز – دار المعارف – القاهرة – 1997. قصة الحضارة – ويل دورانت – دار الجيل/ المنظمة العلابية للثقافة والتربية والعلوم - بيروت