الشجرة الصابرة - الكاتبة لينا صياغة

الكاتبة الاستاذة لينا صياغة


حيث لا يُسمع سوى نبض الأرض،في عمق التراب ، بدأت الحكاية.بذرة صغيرة، لا تُرى بالعين، لكنها تحمل سرّ الحياة. لم تصعد أولًا نحو الضوء، بل اختارت طريقًا أعقد… نزلت إلى الأسفل.

غرست جذورها في العتمة، كأنها تفهم أن من يريد العلو، عليه أن يتجذر في الخفاء.
مرت الأيام ثقيلة، لا دفء فيها ولا تصفيق.كانت وحيدة، تُصارع الصمت، تبني نفسها دون أن يراها أحد.

وفي لحظة صبر طويلة، شقّت الأرض، وخرجت إلى النور… ضعيفة، لكنها صادقة في سعيها.
استقبلتها الحياة بوجهها الحقيقي.

شمسٌ حارقة تلسع أوراقها، بردٌ قارس يجمّد أطرافها، ورياحٌ تعصف بها كأنها تختبر إرادتها.كانت تميل… تنحني… لكنها لا تنكسر.

تعود كل مرة أكثر ثباتًا، لأن جذورها في الأسفل كانت تزداد عمقًا كلما اشتدت العواصف في الأعلى.
كبرت الشجرة، وامتدّت أغصانها كأذرع حنونة تحتضن السماء.

صار لها ظلّ وارف، يلجأ إليه المتعبون دون أن يسألوا: كم عانت هذه الشجرة لتصنع هذا السلام؟يجلس الإنسان تحتها، يستريح، يهدأ… ولا يسمع قصتها.
تتنفس الشجرة بصمت، لكنها تنقّي الهواء من حولها.

تأخذ ما يثقل الصدور، وتعيده نقيًا، صالحًا للحياة.

كأنها لا تكتفي بأن تعيش، بل تساعد الآخرين على أن يعيشوا أيضًا.
لكن حتى في قوتها، لم تُعفَ من الألم.تأتي الأيدي لتقصّ أغصانها، لتشذّبها، فتتألم…ومع ذلك، لا تقاوم، لأنها تعلّمت أن بعض الجراح تُهذّب، لا تُدمّر.
ثم تزهر.

وتحمل ثمارًا، كأنها خلاصة كل ما مرّت به من صبر.تقدّمها بسخاء، بلا مقابل، بلا انتظار كلمة شكر.
ولم يتوقف عطاؤها هنا…في داخل ثمارها، تصنع بذورًا جديدة.نسلٌ صغير يحمل رسالتها، استمرارٌ لحكايتها، وعدٌ بأن الحياة لا تنتهي عندها.

تترك جزءًا منها في كل بذرة، كأنها تقول: “لن أبقى أنا، لكن أثري سيبقى.”
وهنا يقف السؤال، هادئًا وعميقًا:هل يعلم الإنسان كل هذه الرحلة؟هل يشعر بتلك الجذور التي عاشت في الظلام، بذلك الصبر الذي لم يُرَ، بذلك الألم الذي سبق الظل والثمار؟
أم أنه يأتي متعبًا…يجلس تحت الظل، يتنفس هواءً نقيًا، يقطف ثمرة…ويمضي، دون أن يعرف القصة.
تعطي بصمت  ، تعمل بحكمة ، وتستمر …..