
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
الشلل مرضٌ يسلب الإنسان نِعمة الحركة، فيبقى العقل راغباً في السير بينما تعجز الأقدام عن الإستجابة.
لكنه في صورته الاجتماعية أكثر خفاء وأشد خطراً؛ إذ لا يصيب الأطراف بل يصيب الإرادات، ولا يعطِّل الجسد بل يعطِّل الضمير.فالمجتمع، شأنه شأن الكائن الحيّ، لا يعيش بأجساد أفراده فقط، بل بحيوية العلاقات التي تربط بينهم.
وحين تخبو شعلة الاهتمام بالشأن العام، ويتراجع الإحساس بالمسؤولية المشتركة، ويصبح وجع الناس خبراً عابراً لا يوقظ تعاطفاً ولا يحرِّك فعلاً، تبدأ أعراض الشلل الاجتماعي بالظهور.
عندئذ تتحرّك الأجساد في الأسواق والشوارع، لكن الروح الجماعية تكون قد فقدت قدرتها على الحركة.
إن الإنسان لا يُعرَّف فقط بما يملكه من عقلٍ أو بما يحقِّقه من مصالح، بل أيضاً بقدرته على تجاوز ذاته نحو الآخرين.
فمنذ أقدم التأملات الفلسفية كان يُنظَر الى الإنسان باعتباره كائناً يكتمل بالعيش المشترك، وأن وجوده لا يزدهر إلاّ داخل شبكه من المعاني والقيم والعلاقات.
لذلك فإن انكفاء الفرد داخل أسوار مصلحته الخاصة لا يُمثِّل مجرّد خيار شخصي، بل علامة على تراجع إحدى الوظائف الأساسية للإنسانية نفسها.
واللافت أن هذا الشلل لا ينشأ من العداء، بل كثيراً ما يولد من اللامبالاة.
فالشر يُثير المقاومة، أما اللامبالاة فتخدرها. إنها الحالة التي يرى فيها الإنسان ظلماً فلا يعنيه، وحرماناً فلا يؤلمه، وحقّاً يُنتزع فلا يشعر أنه معني بالدفاع عنه. ومع الزمن يُصبح الصمت عادة، ويغدو التقاعس موقفاً مألوفاً، حتى يفقد المجتمع تدريجياً مناعته الأخلاقية وقدرته على التجدد.ومن زاوية أعمق، يمكن القول أن الحياة ليست مجرد بقاء، بل هي استجابة.
فكل ما هو حيّ يستجيب لما حوله: النبات للضوء، والطيور للفصول، والإنسان لآلام إخوته وأمالهم.
وحين يفقد المجتمع هذه القدرة على الإستجابة، فإنه لا يفقد إحدى وظائفه فحسب، بل يفقد شيئاً من معنى حياته.
فالوجود الإنساني لا يتحقق في العزلة، بل في المشاركة، ولا ينمو في اللامبالاة، بل في الشعور بالإنتماء الى مصير مشترك.
لذلك فإن أخطر أنواع الشلل ليست تلك التي تمنع الإنسان من المشي، بل تلك التي تمنعه من الإحساس.
فالأمم لا تسقط حين تكثر مشكلاتها، وإنما حين يعتاد أبناؤها النظر اليها دون أن تهتز في داخلهم إرادة الفعل. عندها يصبح المجنمع كجسدٍ ما زالت أعضاؤه في أماكنها، لكن الروح التي تُنسِق حركتها قد خَفُتَ نورها وضَعُفَ نبضها.
وما يحتاجه هذا الجسد ليس مجرد إصلاحات عابرة، بل عودة الروح الى منابعها الأولى: الى الإحساس بالأخر، والى الإيمان بأن خير الفرد لا ينفصل عن خير الجماعة، وأن الإنسان يبلغ أسمى مراتبه حين يتحوّل من كائن يعيش بين الناس الى كائن يعيش للناس أيضاً.
ففي تلك اللحظة تستعيد الحياة حركتها، ويزول الشلل، وتعود الروح الاجتماعية لتنبض كما ينبض القلب في جسدٍ معافى.